جرى المكر الإلهي في التاريخ الإسلامي كفاعل أساسي في تطبيق الخطة الإلهية الاستراتيجية المتمثلة في استدامة نور الله تعالى في الخليقة وإقامة دولة العدل والقسط الإلهي وإزالة الظلم والجور وبالتالي تحقيق الخلافة الإلهية في الأرض، المكر الإلهي او السياسة الإلهية الاستراتيجية الفائقة، أوكلت مهام تطبيقها رؤية ورسالة واهدافاً وغاية الى النبي المصطفى محمد وآله الطيبين الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين، فبعد رحيل النبي المصطفى تبناها وصيه العظيم علي بن ابي طالب صلوات الله عليهما، أمير المؤمنين ذلك الامام الشجاع الذي جندل صناديد العرب وقتل ابطالهم وناوش ذؤبانهم، حيث ظنوا انهم غلبوه بمؤامرة سخيفة بني ساعدة، وشبه لهم انهم انهوا اسطورة السيدة الزهراء صلوات الله عليها وانسوا ذكر النبي المصطفى بكسرهم ضلعها واسقاطهم جنينها، وحيث كانوا يخططون بمكرهم قتل أمير المؤمنين وسبي فاطمة الزهراء صلوات الله عليهما، ومن بعد ذلك قتلوا أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم الواحد تلو الآخر.
ظن مشركوا قريش انهم بمؤامرة الجمل قد كسروا شوكة الإسلام، وبتحكيم صفين انهم قد ازاحوا الامامة الإلهية عن مقامها، وبمكرهم في النهروان انهم قلبوا سحر اهل البيت عليهم، لكنهم لم يعوا ولم يدركوا انهم في كل خطوة مكر خطوها وجعالة كيد كادوها، كان مكر الله محيطاً بهم، ومكرهم محيقاً بهم، فقد كان حبل مكرهم قصير في حدود زمانهم ومكانهم وافق فكرهم الضيق مقارنة بما تكتنفه القيادات الإلهية الحاكمة على الزمان والمكان.
تغافل اهل المكر والخداع من عبيد الدنيا واتباع الشيطان، اصنام قريش ووطغاة بني أمية وبني العباس ان قيامة الله جل وعلا انما هي في آخر مطاف الدنيا، وان قيامة أهل البيت صلوات الله عليهم في آخر الزمان على يد صاحب الامر القائم من آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين، هذه الحقيقة لم يعيها اؤلئك الجبابرة، فلو انهم آمنوا بالمعاد والحساب لكانوا قد آمنوا بدولة القائم عج في آخر الزمان، فلقد ظن اؤلئك انهم بالسجن والتنكيل والنفي والسم والقتل لن يبقوا لأهل هذا البيت من باقية!
لقد ادار أئمة اهل البيت صلوات الله عليهم الخطة الإلهية الاستراتيجية بأنفسهم وبتوجيه من الله تعالى عز وجل والنبي المصطفى صلوات الله عليه، فقد وضع الله تعالى خطته التي كانت مضمونة النتائج سلفاً، فهي من الحتم المحتوم والميعاد الذي لا يتخلف، غاية ما هنالك انها تسير وفق الأسباب الطبيعية، بيد انها محسوبة حساباً دقيقاً من قبل عالم الغيب والشهادة، الذي يرى الغايات والاهداف كما يرى الرؤية والرسالة، مجرداً عن الزمان والمكان ومترفعاً عن مجانسة مخلوقاته سبحانه وتعالى عما يصفون، كما انه عز وجل جعل من يدير تلك الاستراتيجية رجال الهيون معصومون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
لقد كانت كل حركة وسكنة من اهل بيت العصمة والطهارة بقدر، فقد قاتل علي بن أبي طالب الناكثين لهدف وقاتل القاسطين لهدف وقاتل المارقين لهدف، وكل هذه الاهداف بقدر معلوم، وكل هذه الاهداف انما هي اهداف ضمن استراتيجيته الإلهية التي تتعلق أخيراً بإقامة دولة العدل الالهي، كما ان الامير صلوات الله عليه كلف بمهمة لا تنبغي لغيره واعني هنا معركة خيبر، اذ يحدثنا التاريخ عن تصدي فلان وفلان للفتح، والحقيقة انهما ما كانا ليحققا النصر في خيبر قط، فتصدى لها صاحبها، لان فتح خيبر كان احد اهداف الاستراتيجية الإلهية، واي شخص غير امير المؤمنين لم يكن معنياً بالامر، وانما وافق النبي صلى الله عليه وآله على تصدي فلان وفلان لانه علم يقيناً انهما سيفشلان! فقد كان فتح خيبر من اقتلاع الباب بالاعجاز الى قتل الحارث ومرحب، عبارة عن هدف الهي لنقل دولة اليهود من الحجاز الى فلسطين والتي قامت هناك في آخر الزمان.
كما ان تدريس الامام الصادق عليه السلام لابي حنيفة النعمان ومالك وظهور الشافعي على الساحة السنية بعدهما، كل ذلك كان في زمان السلطنة العباسية وكان عبارة عن تكتيكات قام بها الامام الصادق عليه السلام بهدف تحييد المذهب الحنبلي المتشدد والذي سيقوم فيما بعد، والذي بذل بنو العباس قصارى جهدهم ليبعدوا الامام الكاظم والامام الرضا صلوات الله عليهما عن التأثير عليه، اذ سجن الامام الكاظم ونقل الرضا الى بلاد خراسان، اذ علم الامام الصادق عليه السلام ان ذلك المذهب الحنبلي سوف ينتج في آخر الزمان أمثال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وال سعود والقاعدة وداعش! ولك ان تتخيل لو ان المذهب السني كان كله حنبليا وهابياً داعشياً كيف ستكون الأمور؟! بيد انه بعد يأس الامام الصادق عليه السلام من هداية أئمة المخالفين وتحت ظروف سلطة بني العباس الطاغوتية، عمل الامام الصادق عليه السلام على توجيه ابي حنيفة ومالك باتجاه بعيد عن التشدد الحنبلي، وهو اقصى ما يستطيع فعله بالاسباب الطبيعية، فكان مما تمكن منه ان يقنعهما ببعض الاحكام الشرعية لتحييدهما عن التشدد والنصب لأهل البيت صلوات الله عليهم، ومن بعدهما نشأ الشافعي ليكون عاشقاً لهم صلوات الله عليهم رغم مخالفته التشريعية، فكانت نتاجات عمل الامام الصادق صلوات الله عليه انه جعل السنة أربعة مذاهب متفرقة، ثلاثة منها تم تحييدها عن النصب وجعلت في مقابل المذهب الحنبلي المتشدد!
في آخر الزمان فقط فهمنا أسباب تقبل الامام الصادق عليه السلام لتلاميذ أمثال مالك وابي حنيفة وتحملهم ورعايتهم، فقد انتج مالك سنة شمال افريقيا، وانتج أبو حنيفة طالبان، وانتج الشافعي الصوفية المسالمين والمحبين لاهل البيت، ولم يتوقف أثر هذه المذاهب الثلاثة على تحييدهم عن النصب بل انهم طالما وقفوا مع الشيعة ضد مذهب النصب الحنبلي وضد الاستبداد العالمي المعادي للاسلام والمسلمين.
مع انتقالنا الى زمن الغيبة الكبرى، اخذ الامام المهدي عج على عاتقه إدارة الخطة الإلهية الاستراتيجية، اذ انه عاصر مختلف الأزمنة وشهد تقلبات العصور حتى بلغنا عصر التطور التكنولوجي، وبالطبع فإن إدارة شؤون الخطة الإلهية في عصرنا الحاضر تقع على عاتق الامام الحجة عج، فكل لحظة من لحظات هذا العصر وكل حركة وسكنة وكل حرف يكتب في مراكز الأبحاث العالمية وكل خطة معادية تنسج خيوطها وكل قرار يصدر من الأعداء وكل فكرة تخطر في مخيلاتهم وكل عمل سياسي او امني او اقتصادي او ثقافي او اعلامي وسواها يقدم عليه الأعداء سواء من قوى الاستكبار العالمي او الصهاينة او طغاة الخليج والجماعات الإرهابية وغيرهم، وكل ما يجري في المجتمع الموالي والمجتمعات الحليفة، وما يجري لدى المخالفين، وكل ما يتعلق بشؤون الكون هو من ضمن أولويات الامام الحجة وتجري متابعته بدقة واتخاذ القرارات المناسبة له ووضع خطط التنفيذ والشروع بها ومراقبتها وتقييمها (وكل شيء احصيناه في إمام مبين) ومصاديق ذلك الإمام هم الائمة المعصومون صلوات الله عليهم.
ان هذه الحقائق العميقة لا يعيها طغاة الأرض وجبابرتها لأنهم لا يؤمنون بالإمامة الإلهية والعصمة الربانية للأئمة الاثني عشر المعصومين صلوات الله عليهم اجمعين، فلم يعلم اهل الكفر والنفاق بأن أهل البيت صلوات الله عليهم هم من نسجوا خيوط المكر الإلهي واسسوا لدولتهم الموعودة في آخر الزمان، فكل شيء كان لديهم بقدر، من زراعة القمح في ينبع الى إرساء علوم آخر الزمان!
كل واحد من أئمة أهل البيت العظماء صلوات الله عليهم، مجرد عن الزمان والمكان، ومطلع على جميع عوالم الإمكان في ذات الآن، ولديهم حاضر علم ما كان وما يكون الى آخر الزمان، فإن علمهم ببني أمية آنذاك كعلمهم بالعلويين في آخر الزمان فهم الصناع، وعلمهم ببني العباس آنذاك كعلمهم بآل سعود والقاعدة وداعش واخوان الترك وحماس وطالبان، فهم صلوات الله عليهم الحاصدون وهم الزراع، فهب ان صاحب مشروع ما عليم حكيم بصير قدير قد ارسى قواعد مشروعه، وخط خطته الاستراتيجية، فكانت الرؤيا لديه واضحة والرسالة جلية والاهداف محتومة والغاية مرصودة، وهو ينظر بعين اليقين الى جنى مشروعه وهو ينجز قبل ١٤٠٠ عام من انطلاقته! هم اؤلئك العظماء الاثني عشر الحاكمين بأمر الله على الزمان والمكان، وسائر عوالم الإمكان، أفتراهم يغفلون عن أمر ما في آن من الأوان؟
علي العظيم صلوات الله عليه هو من انهى اسطورة خيبر ونقل إسرائيل من الحجاز الى فلسطين، وتلك معجزة الوصل بين الماضي والمستقبل، والحسين العظيم صلوات الله عليه حصر بدمائه نسل بني أمية في الشام، وجعلهم يتماهون في بني كلب، ثم احالهم جميعهم علويين! والصادق العظيم اوجد الضد النوعي لمكر بني العباس من داخل اوكارهم، فكان الشافعي سلف الصوفية والاخوان، وكان أبو حنيفة سلف طالبان، وقيد المذهب الحنبلي بقيود المذاهب الثلاث الأخرى، وهكذا كان للحسن والسجاد والباقر والكاظم والجواد والهادي والعسكري صلوات الله عليهم ادوارهم الأساسية في انجاز تلك الخطة الكونية الإلهية الاستراتيجية.
صنع المكر العباسي أبو مسلم الخراساني، وصنع المكر الإلهي الجمهورية الإسلامية في آخر الزمان، وصنع قوى الاستكبار العالمي خيبر الجديدة، وصنع المكر العباسي القاعدة وداعش، وصنع مكر الإيرانيين حماس وطالبان، وكل مكر مكره اهل الايمان كان فرع المكر الإلهي وبرعاية صاحب المشروع وصاحب الإنجاز وصاحب القيام الامام الحجة عج.
وهنا نلحظ بأن حركة التاريخ بين ثورة العباسيين للطلب بثأر الحسين عليه السلام والرضا من آل محمد، وبين تسلطهم وتجبرهم ونصبهم لأئمة أهل البيت صلوات الله عليهم حتى غيبة الامام المهدي عج، انما هي حركة لولبية أعاد الزمان تشكيلها ولكن بالمقلوب حيث عادت بعض الأمور الى المربع الأول، فالخطوط المستقيمة لحركة الطغيان العباسي التاريخي، جعلها أهل البيت صلوات الله عليهم تسير في منحنى بزاوية ٣٦٠ درجة كما يعبر أهل الرياضيات، لتعيد بعض الطغيان العباسي الى نقطة الصفر، وكأنك يا زيد ما غزيت، او كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا، او كبيت العنكبوت، فمن أغراك أيها الإنسان الضعيف الذي تنتنك العرقة وتقتلك البقة؟ ولو كان اهل زمان علي صلوات الله عليه يفقهون حديثاً لقال لهم البكتريا والفايروسات، بدلاً من العرقة والبقة! ما أغراك أيها الذرة ان تمكر بالكون العظيم بل بمن يقلب الكون كما يقلب التاجر الدرهم بكفه؟
بالأمس نشأت دولة بني العباس الداعشية ووقفت خلفها جميع قوى الشيطان، مراكز أبحاث علمية تحلل، وأقمار صناعية ترصد، ومحطات فضائية تبث سمومها، وأجهزة استخبارية عملاقة تخطط، وكيان صهيوني يحرض، وحكومات خليجية عباسية تمول، ولم يدخر الشيطان جهداً الا وبذله لكي يعلي شأن بني العباس، بيد ان قصاصة ورق كتبت بأيدي الإيمان العلوي من قبل شاهد من الشهداء على عظمة أهل البيت صلوات الله عليهم في زقاق ضيق من أزقة النجف الأشرف، احالت مكر الشيطان هباء منثورا، إذ أصبحت أحلام بني العباس هشيماً تذروه الرياح، ثم قال المكر الإلهي قولته، سوف نقضي على ارهابكم وتطرفكم، ونوجد منكم عباسيون مسالمون كما فعلنا ببني أمية من قبل!
ها هم طالبان أفغانستان يقيمون بمكر الله دولتهم العباسية الثانية بعد دولة داعش المنهارة، بيد انها ذات رايات بيضاء عوضاً عن رايات بني العباس السوداء، ويضع طالبان أيديهم بيد إخوانهم الشيعة ليقفوا بوجه الاستكبار العالمي، نعم قد تحدث خروقات هنا او هناك من بعض المتشددين، بيد ان ذلك لا يخل بالتفاهم السياسي الاستراتيجي بين طالبان والجمهورية الإسلامية، كما لم تحدثنا الروايات الشريفة المعتبرة عن قتال بين الشيعة وطالبان، اذ لا قرينة على انطباق أي من الجماعات المعادية على جماعة طالبان وراياتهم البيضاء، ومن الجدير بالذكر ان حديث الروايات عن فتح القائم عج لكابول شاه بعد فتح الكوفة انما يشير الى سهولة الفتح، اذ من الممكن والله العالم ان تدخل جماعة طالبان تحت حكم الامام الحجة عج بلا قتال، سيما بعد ان ترى أمارات حكمه العادل وهيمنته على البلدان الإسلامية والعربية وتوحيدها وخضوع البلدان والحكومات له طوعاً وكرها، وأعني هنا الحجاز ودول الخليج والعراق والجمهورية الاسلامية، واعلانه لدستور الدولة الإسلامية الجديدة المتمثل بكتاب الله وسنة نبيه ومنهج أهل البيت صلوات الله عليهم وازالته للظلم والجور واحلاله للقسط والعدل، والحال ذاته بالنسبة الى جماعة حماس في فلسطين، وعلى أي حال فإن تحييد الجهات المخالفة عن النصب والعداء لهو انجاز كبير، ناهيك عن كسبهم في تحالف سياسي وامني إسلامي مع الجمهورية الإسلامية ضد الأعداء.
هذه هي نهاية المطاف لبني العباس فلم تبق لهم سوى محاولات يتيمة هنا وهناك، وسوف توئد على يد المؤمنين في رايتي اليماني والخراساني وعلى يد القائم عج، ولم تبق لجند الشيطان سوى جولة أموية في مشروع السفياني، فحال جنود الشيطان اليوم كمن يرمي النخيل الباسقات بالحجر، وكمن يهم لنقض الجبال الرواسي بالمعاول، فليعلم جند الشيطان بأن مشروع العدل والقسط الإلهي الذي اطلق قبل ١٤٠٠ عام، كان هو المرحلة الأخيرة لعشرون الف عام منذ ان خلق الله تعالى ابينا آدم عليه السلام، وقد تناوب على انجاز هذا المشروع اثنا عشر إماماً معصوما، وها هو المشروع الإلهي في سنيه الأخيرة، يسير بخطى حثيثة نحو الغاية الكبرى والقيام المنيف.
هكذا يغلب المكر الإلهي لانه مكر استراتيجي فائق، عابر للزمان والمكان، ومقاد من قبل قيادات الهية معصومة، في قبال مكر الشيطان الضعيف.
قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) سورة النساء ٧٦
