يروي مالك الاشتر رضوان الله تعالى عليه عن سيرة الامام علي صلوات الله عليه في معركة صفين ان الأمير كلما قتل رجلاً من جيش معاوية كبّر، فأحصى مالك له الف تكبيرة، وكان مالك حينها قد قتل تسعمائة ونيف، فدخل في نفس مالك شيء من ذلك لهنيهة معتداً بشجاعته التي اقتربت مفاعيلها من مفاعيل شجاعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وما ان انتبه مالك رضوان الله تعالى عليه الى الميدان حتى رأى غبرة قد حجبته عن العدو وما ان انجلت الغبرة حتى رأى الوحدة العسكرية التي أرسلها معاوية قد انقلبت ميسرتها على ميمنتها وقتلوا جميعهم، واذا بأمير المؤمنين صلوات الله عليه يشق الغبرة مقترباً من مالك الاشتر، فقال له: ها يا مالك من الاشجع؟
وعلل أمير المؤمنين بطئه في التنكيل بالقوم بأنه صلوات الله عليه كان ينظر الى اصلاب الرجل، ان خرج منه موال الى يوم القيامة لم يقتله!
كذلك ورد في روايات علامات الظهور الشريف؛ الحديث عن (ودائع القوم) فقد ورد في الروايات الشريفة عن علل غيبة القائم عج انه لا يظهر حتى تخرج ودائع القوم، والمراد بالودائع هنا هو عين ما أشار اليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حديثه مع مالك الاشتر.
ففي الرواية عن محمد بن أبي عمير عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له ما بال أمير المؤمنين ” ع ” لم يقاتل فلانا وفلانا وفلانا؟ قال لآية في كتاب الله عز وجل: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) قال قلت وما يعني بتزايلهم؟ قال ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين وكذلك القائم ” ع ” لن يظهر ابدا حتى تخرج ودائع الله تعالى فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله فقتلهم.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧
وعن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله ” ع ” أصلحك الله ألم يكن علي ” ع ” قويا في دين الله عز وجل؟ قال بلى، قال فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك؟ قال آية في كتاب الله عز وجل منعته قال: قلت وأي آية؟ قال: قوله تعالى: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) انه كان لله عز وجل ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين فلم يكن علي ” ع ” ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما خرج الودائع ظهر علي على من ظهر فقاتله وكذلك قائما أهل البيت لن يظهر ابدا حتى تظهر ودائع الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧
وعن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله ” ع ” قال، في قول الله عز وجل: (لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا.
علل الشرائع – الشيخ الصدوق – ج ١ – الصفحة ١٤٧ – ١٤٨
الاستبصار الاستراتيجي:
يعرف الاستبصار بصورته المشهورة باكتساب المخالف البصيرة في دينه، اذ يهديه الله تعالى الى مذهب الحق، مذهب اهل البيت صلوات الله عليهم، فيقال للفرد الذي تحول من المذاهب الضالة الى مذهب الشيعة انه مستبصر.
والاستبصار على مستويات متعددة، منها الاستبصارالعقدي الايماني وهو ما عرفناه أعلاه، والمستوى الثاني هو استبصار الولاء الإسلامي السياسي، وهو الولاء الذي يجمع المسلمين تحت خيمة الإسلام وخيمة العدل والقسط والتحالف السياسي ضد قوى الظلم والجور في الأرض.
ان المستوى الأخير من الاستبصار هو ما نعبر عنه بالاستبصار الاستراتيجي، وهذا المستوى هو الذي أشار اليه امير المؤمنين صلوات الله عليه، فقد كان نزال الأمير في صفين نزالا استراتيجياً كاد ان يغير مجرى التاريخ لولا غدر اليمانيين وعلى رأسهم الاشعث بن قيس في حادثة التحكيم.
في المستوى العقدي الايماني يمثل الاستبصار مورداً فردياً للهداية قد يتحول الى مورد جماعي في حالات نادرة، ومع ذلك فإنه لا يقاس باستبصار الإسلام السياسي فهو استبصار استراتيجي كفيل بقلب المعادلات السياسية رأساً على عقب، وتحقيق المنجزات التي ما كانت لتحصل لولا تلك التحالفات والتوالفات التي جمع شتاتها عنوان الإسلام العريض وشعبت صدعها ممارسات الاستضعاف التي مارسها الاستكبار العالمي والصهيونية والتكفيريين ضد الشعوب الإسلامية الساعية الى رفع الحيف والظلم والتائقة الى العيش تحت مظلة العدل الإسلامي.
من يصنع الاستبصار الاستراتيجي؟
ان من يضع نفسه في مقام الحجة على البشر هو من يصنع ذلك المستوى السامي من الاستبصار، ونعني هنا قم وأهلها، الجمهورية الإسلامية الإيرانية المظفرة بقيادة ولاية الفقيه الظافرة، وتحت شعار نصرة المستضعفين في الأرض وتحقيق عدالة الإسلام المحمدي الأصيل.
لهذا تهافتت الأمم والشعوب المستضعفة لتقف جنباً الى جنب مع الجمهورية الإسلامية في مسيرتها نحو نبذ الظلم والجور وإقامة القسط والعدل، ولتقف الجمهورية الإسلامية الى جنب تلك الأمم والشعوب، فنرى اليوم زيدية اليمن واخوان فلسطين (حماس) وعلويي سوريا وطالبان أفغانستان؛ جميعهم يقفون كتفاً الى كتف مع الجمهورية الإسلامية لمقاومة قوى الاستكبار العالمي المتمثل بالولايات المتحدة والصهيونية العالمية.
ماذا وجد زيدية اليمن في الإيرانيين؟ وماذا وجدت حماس فيهم؟ وماذا وجد العلويون؟ وماذا وجدت طالبان؟
ان الامام القائم عج يُبعث رحمة للعالمين ونصيراً للمستضعفين ومعزاً للاسلام والمسلمين، ومذلاً للمستكبرين ومبيراً للظالمين ونكالاً للكافرين والمنافقين، فمن طلب في ذاته العدل والقسط وطلبهما للناس كان مع القائم عج ولو كان من عبدة الشمس والقمر، ومن كان يحيا في غيابة الظلم والجور فلن يدرك الفتح ولو كان ممن يقول بهذا الامر، وما ودائع القوم الا امثلة حية على ذلك.
ورد في الرواية: عن إبراهيم بن عبد الحميد، قال:
” أخبرني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا خرج القائم (عليه السلام) خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله ودخل فيه شبه عبدة الشمس والقمر.
كتاب الغيبة – محمد بن إبراهيم النعماني – ج ١ – الصفحة ٣٣٠
ان الفتح المهدوي على مستويين؛ فتح داخلي يقيمه الامام الحجة عج على عاتق أنصاره من المؤمنين، وفتح خارجي يشترك معهم فيه اهل الاستبصار من المستضعفين من سائر المسلمين ودعاة العدل والقسط.
نعم لعلنا نتحدث بملأ الأمل والتفاؤول، بيد ان الشيطان واعوانه لايزالون يبذولن قصارى جهدهم لتمزيق ذلك الاستبصار الإسلامي الاستراتيجي، وما قضية السفياني الا جولة من جولات الأعداء الذين يدعمون عملائهم من الداخل لكي يخرقوا جدار الاستبصار والمسمى اليوم (محور المقاومة) في محاولة بائسة لايقاع الخلاف بين العلويين والشيعة، ولا يستبعد ان يقوم اتباع الشيطان بمحاولة مماثلة لايقاع الفتنة بين طالبان والجمهورية الإسلامية، بيد ان حديث الروايات لا يشير الى ذلك، وكما سنبينه في الجزء الثاني ان شاء الله تعالى.
