التمهيد السياسي لنصرة الامام المهدي عج (ج٢)

تعد السياسة من انبل واشرف القضايا بعد القضية الدينية، اذ ان الدين لا يكاد ينفك عن السياسة الا في حالات التقية القصوى التي يمتنع معها تصدي القيادة الدينية للسياسة كما حصل مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه طيلة ٢٥ عاماً من حكم صنمي قريش ونعثلة، هذا وقد كانت القيادات السياسية لدولة أمير المؤمنين صلوات الله عليه لرجال أمثال: عمار بن ياسر وميثم التمار ومالك الاشتر وآخرين، وفي عصرنا الحاضر نجد ان مرجعياتنا الدينية في العراق لم تنفك عن التصدي للامور السياسية رغم الظروف القاهرة وذلك منذ انطلاقة ثورة العشرين وحكم الملكية مروراً بحكم عبد الكريم قاسم والقوميين وحكم حزب البعث حتى انطلاق النظام الديمقراطي بعد سقوط حكم البعث الأموي، وفي الجمهورية الإسلامية فإن ولاية الفقيه قد مثلت عنواناً عريضا للقيادة الدينية السياسية.

في تأريخ المرجعيات الدينية النجفية المعاصرة نلحظ انه مهما رأت المرجعية عدم أهمية خوضها في الشأن السياسي للأمة، فإنها تقحم نفسها مضطرة في هذا الشأن السياسي أو ذاك، فالاحتلال الانكليزي اجبر المراجع العظام آنذاك على اطلاق فتوى الجهاد ضد الاحتلال، وكذلك تفشي ظاهرة الشيوعية وتلمس خطرها على الامة في زمن حكم عبد الكريم قاسم أدى الى صدور فتوى (الشيوعية كفر والحاد) وفي زمن البعثيين صدرت احكام عديدة منها (لو كان اصبعي بعثياً لقطعته) اما بعد سقوط نظام البعث فإن تدخل المرجعية الدينية في الشؤون السياسية فحدث ولا حرج.

قلنا في الجزء الأول بأن عملية ظهور وقيام الامام المهدي عج سوف تجري بالاسباب الطبيعية وليس بالاعجاز، ولذا فإن عملية إقامة دولة العدل الإلهي ستكون بحاجة الى جميع الكوادر الكفوئة والنزيهة والمهنية ومن جميع التخصصات لكي تدير شؤون الدولة.

من هذه التخصصات المهمة بل والاهم، والتي لها أولوية في مجال إدارة شؤون الأمة؛ هو التخصص السياسي، أي القيادات السياسية ذات الخبرة والنزاهة، اذ ان عجالة إقامة دولة العدل المهدوية تحتاج الى قيادات سياسية ذات خبرة في مجال قيادة الدولة، سيما في مراحل اقامتها الأولى، حتى يتسنى للدولة وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال انشاء قيادات سياسية لا تعرف سوى العدل والقسط.

نعم في المرحلة الأولى لاقامة دولة العدل الإلهي سوف يتم اختيار بعض القيادات السياسية المشهورة اليوم في بلدانها، كاليماني الموعود في العراق على سبيل المثال، وكذلك بعض القيادات السياسية الأخرى، ولنعطي مثالاً العراق، فإن العراق تتعرض قياداته السياسية الى حملات تشويه وتسقيط بلا هوادة، حتى ما عاد المواطن العراقي عموما والمؤمنين والمنتظرين خصوصاً يستطيعون التمييز بين الصالح والطالح من القيادات السياسية، اذ ان الفساد المستشري والفشل في العراق، جعل من لغة التعميم هي السائدة في اتهام العملية السياسية برمتها.

لاريب ان هنالك ثلة من القيادات السياسية العراقية سوف يكونون في طليعة قيادة دولة العدل الإلهي مع الامام القائم عج، ولعل بعض من اؤلئك القادة السياسيين اليوم متهمون بالفساد رغم نزاهتهم ولأسباب عديدة منها: لغة التعميم الظالمة، وجهل وغفلة الكثير من المؤمنين مما يجعلهم ينجرون خلف العقل الجمعي الذي يصنعه العدو عادة للايقاع بوعي الجماهير المؤمنة، وكذلك وجود جهات عراقية مناوئة همها الأول هو تسقيط الآخر.

عندما يقوم الامام الحجة عج ويدعوا أولئك القادة السياسيين لاعانته على إدارة شؤون العراق، سوف تنتفض العديد من الجهات السياسية والشعبية ويقولون للامام القائم عج، لماذا اخترت هؤلاء الفاسدين الفاشلين…الخ؟ فإننا قد اختبرناهم وخبرناهم ولم نجد فيهم خيراً سوى الفساد والفشل، وكما يقال اليوم (المجرب لا يجرب)

هؤلاء الحمقى اجلكم الله يقدمون ارائهم واستحساناتهم وامزجتهم وجهلهم على رأي المعصوم عج، هؤلاء بعض منهم جهلة صنميون، وبعض منهم فاسدون مفسدون، وبعض منهم عملاء لاعداء المذهب الشريف، اما المؤمنون المنتظرون المسلمون للقائم عج، فهم يدركون جيداً ان الامام الحجة عج احسن الاختيار بمقتضى الحال ومراعاة للظروف الموضوعية واستناداً الى السنن الإلهية وكذلك كشفاً لحقيقة بعض اؤلئك القيادات السياسية الموفقة التي حظيت بنصرة الامام القائم عج.

مع ذلك كله لن تتوقف سنة التمحيص والغربلة، فلعل بعض المؤمنين المنتظرين سواء من القيادات السياسية او الدينية او الجهادية ونحوها او من عامة المؤمنين والمنتظرين، يمضون حياتهم على الصراط المستقيم وينحرفون في فترة ما بعد قيام دولة العدل الإلهي، وهذا امر طبيعي وفق سنن الحياة الدنيا، بيد ان ما ينبغي ان نعيه جيداً، ان اختيارات الامام المعصوم هي اختيارات صحيحة على كل حال، ولها مبرراتها الصحيحة مهما كانت نتائجها، وان تكليفنا الشرعي يقتصر على الحاضر لا على العواقب التي هي من اخبار الغيب والمستقبل.

بعد هذا البيان وختاماً للمقال، نقول بأن من واجبات المنتظرين الممهدين لقيام دولة العدل الإلهي، التحري عن القيادات السياسية النزيهة التي تخدم القضية المهدوية والعمل على دعمها وتمكينها وانتخابها في الانتخابات البرلمانية او من ترشحه تلك القيادات، والغاية كما اشرنا في ختام الجزء الأول من المقال؛ هي ليست تقديم الخدمات وما الى ذلك، فالظروف الموضوعية اليوم في العراق بوجود ثلاثة جهات متخالفة فيما بينها (السنة والاكراد والشيعة) حيث ان القيادات السياسية السنية والكردية يغلب عليها طابع الفساد والفشل بطبيعة الحال، وكذلك القيادات السياسية الشيعية فيها الكثير من الفاسدين والفاشلين، ناهيك عن ان هذه الظروف تؤدي الى فشل حتى القيادي السياسي النزيه والكفوء، كما جرى مع السيد عادل عبد المهدي على سبيل المثال، وهذا ما اشارت اليه الرواية الشريفة بفشل كل من يحكم قبل قيام القائم عج لكي لا يقول من يرى عدل القائم عج: لو حكمت لسرت بسيرة هذا، وأسباب الفشل من الواضح ان بعضها يعود الى الظروف الموضوعية وتكالب الأعداء على العراق، وبعض منها يعود الى الفشل الذاتي لبعض القيادات السياسية وفساد بعضها الآخر، وارجو التركيز هنا على عبارة “البعض”

أضف تعليق