شكّل قيام الأيديولوجيا القومية وتأسيس احزابها عقب الحرب العالمية الثانية، انطلاقة استراتيجية صناعة العدو للبلدان والشعوب الإسلامية من الداخل فكراً وممارسة، بمعنى آخر ان يتم صناعة العدو من داخل بيئة الجهة المستهدفة، وان يتم صناعته بصورة دائمية وذلك ما يتطلب ان يكون هذا العدو صاحب أيديولوجيا بديلة للفكر الاسلامي الاصيل، وكما انه قد ثبت فشل الدعوة الالحادية القادمة من الخارج، فقد تم صناعة الالحاد الداخلي ليكون أكثر موضوعية وأشد اقناعاً، فلكي تقوم بالقضاء على فكر او عقيدة ما، قم بصناعة ممانعيها من داخلها!
هذه الاستراتيجية هي من اهم وانجع الاستراتيجيات المعادية، والتي شيدت على أساسها كافة استراتيجيات الظلم والجور التي منيت بها البلدان الإسلامية في عصرنا الحاضر، وتشرع هذه الاستراتيجية باستهداف الفكر الحاكم للامة، والعقيدة التي تعتقدها شعوب الامة، ومن ثم تطرح رحلها في حكم البلدان بالنار والحديد، وهكذا فعلت القومية فعلتها بوضعها لمنهجها المقابل للنظرية الإسلامية والمضاد للعقيدة الحقة.
لم تحز الملكية في العراق في النصف الأول من القرن العشرين مقومات الاستمرارية لانها لا تستند على فكر معين بإمكانه ترسيخ جذوره في ذهن الامة، وكذلك كانت مرحلة الانقلاب العسكري بقيادة عبد الكريم قاسم مرحلة مؤقتة، وهكذا صنعت الامبريالية الامريكية استراتيجيها الجديدة في مراكز صناعة الاستراتيجيات (معاهد ومؤسسات الدراسات الاستراتيجية) وهي النظرية القومية العفلقية ذات الفكر الالحادي المسوف للنظرية الإسلامية، فعمدت الى استبدال الممارسة والتطبيق الإسلامي بالمشروع القومي البعثي الجديد!
بلغت الايديولوجيا القومية اوجها في عهد نظام البعث بشقيه العراقي والسوري، ومثيله في الجانب الشرقي من الخليج والمتمثل بحكومة الشاه الالحادية، حتى جائت الصحوة الإسلامية على يد ثلاثي الولاية العلوية (الامام الخميني والسيد محمد باقر الصدر والسيد موسى الصدر) لتنقذ ما تبقى من الجسد الإسلامي وتنفخ في جذوة النور الإلهي الذي اراد ان يطفئه الظالمون، حيث شرع الامام الخميني العظيم بثورته المسددة وازاح حكومة الشاه واقام الجمهورية الإسلامية، وتحرك الصدر الكبير ليقوم بدوره التاريخي، بيد ان شيعة العراق خذلوه بتخلف وعيهم فلقي حتفه على يد طاغية العراق الصهيوني صدام، ومن قبلهما كانت حركة السيد موسى الصدر قد أدت الى تغييبه ومصرعه على يد القذافي الذي يمثل احد أدوات الاستكبار العالمي في المنطقة.
بعد قيام الثورة الإسلامية في ايران أطلقت قوى الاستكبار العالمي كلابها في الخليج بغية نقض أسس الجمهورية الاسلامية ، فكانت حرب الثماني سنوات بين العراق وايران والتي لم تؤدي غرضها وانتهت بنصر إيراني مؤزر، ونسفت جميع مخططات الأعداء، وفي خضمها نشأت المقاومة الإسلامية العراقية بقيادة القائد العظيم آية الله السيد محمد باقر الحكيم، حتى اختلفت إرادة الأعداء فيما بينهم وجرى غزو الخليج من قبل البعث الصدامي، وقابله رد تحالف الاستكبار العالمي وفرض الحصار الاقتصادي على العراق حتى إزاحة نظام البعث عام ٢٠٠٣ على يد الامريكان وحلفائهم، وكذلك في الجانب السوري انقلب البعث على صانعيه.
هكذا اخذ المكر السيء يحيق بأهله، وإرادة البغي ترتد على أصحابها، وبدأ الأعداء يفقدون حلفائهم في المنطقة واحداً تلو الآخر، مما حدى بالقوى العظمى الى رعاية المجاميع الإرهابية وتنميتها فبدأوا بالقاعدة وانتهوا الى صناعة داعش، وهذه الجماعات هي الأخرى ذات نظرية مقابلة للنظرية الإسلامية الحقة وذات فكر وهابي راسخ في عقيدة المخالفين، وتمت صناعتهم من قبل الاحتلال النكليزي للبلدان العربية، ولدى هذه الجماعات ممارسات وتطبيقات مقابلة ومضادة للممارسة والتطبيق الإسلامي الأصيل.
ما بين النظرية القومية والنظرية الوهابية، أخذت استراتيجية صناعة العدو من الداخل تترنح، فما بين تسويف الإسلام بالفكر القومي وبين تقمص النظرية الإسلامية بالفكر الوهابي، وما بين جبروت وطغيان النفس الإنسانية والسعي نحو التجبر والعظمة كما حصل في تمرد شخصيات كبيرة من عملاء الاستكبار العالمي كصدام والأسد والقذافي واسامة بن لادن وغيرهم؛ بدء العدو يفقد زمام المبادرة في احكام قبضته على المنطقة، فأخذ يترنح هو الآخر، بيد ان استراتيجيته مازالت فاعلة ولن يتخلى عنها مطلقاً، غاية ما في الأمر ان العدو يبذل قصارى جهده في إعادة الأمور الى نصابها، فأخذ بتطوير استراتيجيته تلك من خلال جعلها اكثر مرونة وفاعلية وموضوعية والتعامل مع كل حالة على حدة، وذلك باستبدال العملاء المتمردين بعملاء آخرين لعلهم يكونون اكثر وفاء لعمالتهم، والعمل على ان لا يحوزوا تلك القوة التي وهبت لسابقيهم لكي يعيشوا حالة متواصلة من القلق والحاجة الى اسيادهم، فكانت حكومات الصبيان سمة ذلك التطوير في استراتيجيتهم، وهكذا كانت حالة امراء السعودية من خلال إزاحة متعب وبن نايف وتولية الصبي محمد بن سلمان، وما فعلوه بحكومة قطر بتولية تميم بدلا من ابيه وتهديد كيان دولة قطر ومن ثم اعادتها الى سكة العمالة، وسعيهم الحثيث الى اضعاف حكومة تركيا الاخوانية، وكذلك إدارة الازمات الأمنية في المنطقة من خلال توجيه التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش.
ثمة حالة مشابهة تفشت في قطاعات من شيعة العراق تمثلت في استقطاب الأعداء لقيادات صبيانية ناشئة من رحم المقاومة والممانعة الإسلامية ومن ذات البيوتات صاحبة الشأنية في التأسيس، كما حاولوا ذلك من قبل في استمالة أبناء واحفاد الامام الخميني المؤسس للثورة الإسلامية في ايران، ولم ينجحوا في اغتيال القائد الخامنئي، بيد انهم تمكنوا من اعدام السيد محمد باقر الصدر واغتيال السيد محمد باقر الحكيم، وهكذا أخذ الأعداء بدراسة واقع المجتمع الشيعي العراقي، فجعلوه يعيش في دوامات عديدة منها دعم او تأمير بعض الشخصيات الدينية والسياسية الصبيانية من أبناء واتباع قيادات المقاومة والممانعة واستمالتهم الى جانبهم، ومنها نشأت تيارات الدجل والادعاء كحركة احمد الحسن والقحطاني والصرخي والمولوية وغيرهم الكثير، واستمالة بعض الشخصيات العلمائية التي تعاني من امراض أخلاقية كمثل كمال الحيدري وغيره، وصناعة شخصيات علمائية وهمية وهي شخصيات عميلة جعلت ترتدي عمامة العلماء!
هكذا صنف الأعداء فئات المجتمع الشيعي العراقي على أسس اجتماعية ودينية وسياسية وشعبية، وجعلوا لكل صنف منها مراكز ابحاث متخصصة تكتب تقاريرها وتضع مخططاتها وتنشيء استراتيجياتها وتكشف مواطن القوة والضعف في كل مفصل من مفاصل المجتمع الشيعي العراقي، وثمة فرق خاصة تنفذ اجنداتها وتراقب أهدافها وتقيم تطورات الاحداث وتضع البدائل، فكانت استرتيجية الجوكر الشعبي على سبيل المثال احدى تلك الاستراتيجيات التي استهدفت بشكل مزدوج العملية السياسية في العراق والحشد الشعبي المقاوم.
كانت فتوى الجهاد الكفائي السيستانية سكينة خاصرة في جسد مخططات الأعداء، لذا بذل الأعداء قصارى جهدهم من أجل تشويه سمعة المرجعية الدينية الرشيدة والحشد الشعبي المبارك، وبالتالي محاولة افشال فتوى الجهاد الكفائي ومصادرة النصر الذي تكللت به، كما استهدفت العملية السياسية في العراق، واستهدفت قيادات الحشد والمقاومة.
مازالت استراتيجية صناعة العدو من الداخل هي الاستراتيجية الأكثر فاعلية ونجاحاً بما تمتلكه من ديناميكية متوافقة ومتناغمة مع تطورات الاحداث، وما مشاريع مثل مشروع دجال البصرة وعوف السلمي والشيصباني والكاهن الساحر واولاد البغايا ومشروع السفياني؛ الا مصاديق واضحة وجلية لاستراتيجية صناعة العدو من الداخل واستبدال العملاء بآخرين اكثر عمالة وتنفيذاً لاجنداتهم المسيسة، والملاحظ ان صناعة العدو من الداخل غالباً ما تكون فكراً وممارسة، لكي لا تكون صناعة مؤقتة وانما تكون دائمية يستفيد منها العدو في وضع خططه البديلة وضمان استمرارية هيمنته وادارته للازمات والصراعات في المنطقة.
