الإنسان المنتظر بين الاصطفاء والإستبدال الإلهيين.

الإنسان المنتظر بين الاصطفاء والإستبدال الإلهيين.

الاستبدال الإلهي في المشروع المهدوي
————————————-
لكل مشروع مقدمات لتهيئة مستلزمات العمل به، ومن ثم يتم الشروع بذلك المشروع وفق مخططات تفصيلية وجدول عمل معد سلفاً، وقد أجريت حسابات الجدوى بدقة، وهكذا يتم طي مراحل العمل حتى تنجيز المشروع وجني ثماره.
المشروع الإلهي لقيام دولة العدل والقسط، يجري بذات السياقات الموضوعية، وهو وإن كان مرعياً من قبل الخالق جل وعلا، ومداراً من قبل الإمام الحجة عج، بيد أنه يبقى محكوماً بالسنن الإلهية التي لا تبديل فيها ولا تحويل، وهي متعلقة بإرادات بني البشر لا سيما المؤمنين.

“ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم”
“والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”

يمر المشروع الإلهي بعدة مراحل وجميعها تتم ضمن أطر موضوعية، ابتداءً من مرحلة التثقيف للقضية المهدوية من خلال التعريف بالعلامات والتهيئة العقائدية والنفسية والعمل على تحصين المجتمع المؤمن والدفاع عنه بشتى الطرق الإعلامية والسياسية والامنية وما الى ذلك، مروراً بمرحلة تحقق العلامات الممهدة حيث تتعاظم فيها المسؤولية العملية على الانسان المنتظر، ومن ثم تحقق العلامات الحتمية وهنالك تتعاظم المسؤولية اكثر ويصبح العمل التمهيدي في اوجه، مروراً بمرحلة حصول علامة الصيحة التي يتم فيها اعلان الظهور الشريف، حيث يصبح الانسان المنتظر الممهد ملجأ ضعفاء المؤمنين والمذنبين العاصين والمسرفين بأمر ربهم ودينهم وامامهم الغائب عج، وحتى خروج القائم عج علناً الى الملأ في العاشر من المحرم.

في كل مرحلة من تلك المراحل يكون ثمة أناس طارئون يتم استبدالهم، حيث تدور عجلة الاستبدال كاشفة عن التخيير التام لدى الشخص المستبدل؛ أما أن يبقى عمله في إطار المشروع أو الانسحاب منه، وبالتالي يجري استبدال الشخص المنسحب من خلال ايكاله الى نفسه، ويعوض بشخص آخر كيما يبقى المكان شاغراً، ويتضح من ذلك موضوعية الاستبدال، التي تمثل ظاهر العملية، وان كان باطنها متعلقاً بإستحقاقات التوفيق الإلهي، فالمستبدل فقد سمة التوفيق الإلهي والبديل حاز عليها.

وظيفة المنتظر:

المنتظر لإمام الزمان يقع على عاتقه تكليف التمهيد لإمامه عج، وسواء كان ذلك التكليف بالإطار الأعم من حيث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحصين المجتمع الإسلامي، أو من خلال إطار خاص يتعلق بصلب القضية المهدوية، من حيث الاهتمام بالقضية المهدوية وتوعية المجتمع الإسلامي الى ضرورة الانتباه وعدم الغفلة عن تلك القضية، أو من خلال الإطار الأخص، وهو الدعوة العملية الى الامام عج من خلال تبني الاطروحة الأمثل والتي يدعوا بها اليماني الموعود، وذلك التكليف لا يُنال الا بعناية الهية خاصة ومع ذلك لا يسلم أولئك المعنيون من طائل الاستبدال.

في اطار المستويات الثلاثة من التكليف الانتظاري، قد يُكلف المنتظر بعمل ما فيشرع فيه، يرافقه في مسيرته عاملا التوفيق الإلهي والإستبدال الإلهي، فإن هو أنجز تكليفه بالصورة الأمثل والأكمل بما يتناسب مع قدرته، وعدم تقصيره، فيكون حينئذ قد أحرز رسوخ قدميه على أرض صلبة، يكون فيها الاستبدال أبعد عنه من غيره، أما إذا أخل المنتظر المكلف بما أوكل اليه من تكاليف، نتيجة تحامق أو تهاون أو اتباع هوى أو ما الى ذلك من الأمور الأنفسية، فإنه لا ريب سوف يفقد استحقاق اللطف والتوفيق الإلهيين، وبالتالي يكون عرضة للإستبدال، والإستبدال هنا عادة ما يكون بالاستدراج والمكر الإلهي، بأن يخرج من دوائر التكليف الثلاث واحدة تلو الأخرى، من دائرة التكليف الأخص الى دائرة التكليف الخاص الى دائرة التكليف العام، وقد يخرج حتى من دائرة التكليف العام، إذ قد يرى المنتظر انه اذا خرج الى دائرة التكليف الخاص يكون في امان من الانحراف، وقد يخرج الى دائرة التكليف العام وهو يرى ذلك، بيد أنه كلما خرج من دائرة الى أخرى كان اقل توفيقاً واكثر عرضة الى الانحراف، وبالطبع فإن ذلك يخص إطار المنتظرين لا عامة الشيعة، لأن هنالك من يختص بدائرة التكليف العام وبعمق كعامة الفقهاء والفضلاء، وهناك من لا يمتلك القدرة على ولوج الدوائر الخاصة، وعموما فإن المنتظرين الذين يرون في انفسهم توقاً ودافعاً نحو ولوج تلك الدوائر الخاصة، هم المعنيون بالتمهيد والاستبدال.

الاستبدال الإلهي قضية موضوعية

الإستبدال الإلهي ليس قانوناً مجرداً، وانما هنالك نتائج تترتب على ذلك الاستبدال، فإن المنتظر المقصر في أداء تكاليفه في مرحلة ما من مراحل التمهيد للإمام الحجة عج، لا يمكن حينئذ تكليفه بأي عمل في المرحلة اللاحقة، سيما إن علمنا أن تلك المراحل الثلاث للمشروع الإلهي، انما تتبع منهجاً تصاعدياً من حيث أهمية العمل وصعوبته وحراجته، فالمرحلة الأولى وهي مرحلة التثقيف للقضية المهدوية، يتساقط فيها الكثير من المنتظرين، ويتم فيها اختيار الاصحاب من قبل الامام عج، لذلك وصف الاصحاب 313 بأنهم لا يستوحشون لخروج أحد من أمرهم ولا يفرحون لدخول احد فيه، لكثرة الداخلين والخارجين، فالمنتظر الحقيقي عندما يستأنف تكليفه بالتثقيف المهدوي ويبذل من المجهودات الكثير، ويجد ان بعض المؤمنين يستجيب لطرحه فترة من الزمن ومن ثم يترك القضية ويرحل، يشعر ذلك المنتظر بحالة من الإحباط وبتكرار تلك الحالة تنشأ لديه حالة جديدة وهي حالة عدم الاهتمام واللامبالاة بمن يدخل وبمن يخرج من دوائر التكليف ذات الخصوصية المهدوية.

الناجحون في المرحلة الأولى يتهيؤون استعداداً الى المرحلة التي تليها، حيث تضيق الحلقة وتصبح التكاليف أشد ومن لم يهيئ نفسه في المرحلة الأولى ويجتاز الإختبارات، كيف له ان يأمل تكليفه في المراحل اللاحقة؟!
نعم قد تسند اليه أدوار ثانوية في إطار المستوى الخاص او العام من التكليف كغيره من المؤمنين، بيد أنه في أحسن الأحوال سوف يبقى يراوح في مكانه عند الدرجة الأولى من السلم، بعيداً عن مستوى التكليف الأخص، وحينها لن يكون طموحه في نيل المراتب العليا والدنو من الإمام الحجة عج، الا أوهام تصورها له نفسه وهي مجردة عن الحقيقة، فالحديث عن الاستبدال وموضوعيته وارتباطه بالعدالة الإلهية والاستحقاق العملي، إنما يكون من خلال الاستدراج ولا يكون دفعياً، نعم قد يكون دفعياً في حالة واحدة وفق إرادة الانسان بأن يخرج من جميع تلك الدوائر وتلك حالات نادرة، تتعلق بخلل في ذات الانسان.

أما في مرحلة الظهور الشريف فسوف يُهمش المستبدل تماماً، ويوكل الى نفسه، فالبعض يخرج من دائرة اصطفاء الأصحاب، والبعض يخرج من دائرة العقد وبعض آخر يخرج حتى من دائرة الحلقة، والى الدائرة الأوسع وهي دائرة عامة الناس، والتي يكون فيها الصديق والعدو، وقد يؤدي به الأمر الى ان يكون في جهة الأعداء، كما سيحصل في يوم الأبدال بخروج جماعة من أنصار القائم عج وانضمامهم الى جيش السفياني في يوم يسمى يوم الأبدال، وهو يوم الاستبدال الأخير.

هكذا يتم اصطفاء الأصحاب 313 الذين سينالون رفقة الإمام عج وتنفيذ أوامره المباشرة وتوكل إليهم قضايا أساسية في إقامة دعائم دولة العدل الإلهي، وذلك الاصطفاء يكون وفق الاستحقاق، فالأصحاب ال 313 هم الأكثر ثباتاً واجتهاداً في أداء تكاليفهم في مراحل التمهيد المختلفة.

اللطف الإلهي ورعاية الإمام عج:

من منا لا يعلم بشأن الإبتلاءات التي تصيب الانسان المؤمن حينما تعتري مسيرته بعض الانحرافات، إذ أن ثمة لطف الهي يشمل ذلك المؤمن، فيصيبه الله تعالى بالبلاء بغية إعادته الى الصواب وتسديد مسيرته وتدعيم عضده، وهكذا يجري ذلك الأمر على الإنسان المنتظر الذي يخل ببعض التكاليف الموكلة اليه، إذ يكلف بعمل ما فيتنصل منه أو يتلكأ فيه أو يكون مقصراً في تأديته، ومن ثم يكلف بعمل آخر ويتنصل منه، فيستحق بذلك الاستبدال ظاهراً، الا أن ثمة ما يستوجب صدور اللطف الإلهي بإبقاء ذلك المنتظر على طريق التمهيد وإعطاءه فرصة أخرى، فيأتي حينئذ دور رعاية الإمام الحجة عج للمنتظرين المقصرين، فيتم التخطيط لإستهداف أولئك المنتظرين المقصرين في تكاليفهم، بنوع من البلاء قد لا يكون ذلك البلاء مقتصراً عليهم، وانما قد يشمل غيرهم من المنتظرين الممحصين، وذلك لأن المنتظر الممحص هو طوع أمر مولاه، فيكون ابتلاءه ليس بالضرورة نتيجة تخلف في تأدية تكاليفه الانتظارية، وانما من أجل اخوته المنتظرين، فيكون ابتلاءه سبباً في تسديد غيره من اخوته، فالمنتظرين المسددين هم دوماً مشاريع تضحية من أجل قضيتهم.

من هنا على المنتظر الممحص أن يصبر على البلاء، وما يزيد ذلك في شأنه الا علواً في مراتب القرب من الإمام الحجة عج، كما على الآخرين الاتعاظ واليقظة من الغفلة وأخذ أدوارهم الموكلة اليهم بتأدية تكاليفهم الإنتظارية، والا سيكون الاستبدال مصيرهم المحتم، فاللطف الإلهي ورعاية الإمام الحجة عج لا تأتي اتفاقاً، وانما هي وفق أسس مبنية على الاستحقاق، وقد لا يتكرر ذلك اللطف وتلك الرعاية، فلينظر الانسان المنتظر الى نفسه أين يضعها، وليرحمها استدراراً لنزول الرحمة الإلهية، وليعلم أن ما أصابه من بلاء، انما قد يكون منجاة له من الهلكة، وتصويباً لمسيرته الإنتظارية، ولكن في الوقت ذاته عليه أن يتسم بمستوى عال من الوعي كي لا يفوت على نفسه كرامة الاصطفاء والقرب من إمام الزمان روحي وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء، ولكي يجنب نفسه خسران الاستبدال.

خاتمة:

رب ضارة نافعة ..
وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم..
وعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا
ذلك عند البلاء.

أما الإستبدال فهو استبدال إلهي وعندما نسمه بأنه إلهي، فهو كذلك لأنه لا يكون الا بعد مخالفة سنة الهية أو تكليف الهي، والأمر من بعد ذلك كله الى الله تعالى عز وجل.

قال تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم.

لا يقتصر الاستبدال على خروج المنتظر من دائرة التكليف الانتظاري في مرحلة التمهيد للظهور الشريف، وانما قد يكون كما عبرت الرواية، من شعور المستبدل بالدونية، فالبديل هو خير من المستبدل وشعور المستبدل حينئذ سيكون الحسرة والندامة، إذ يحل محلهم من هو أحدث عهداً منهم في الإنتظار، ويكون أكثر التزاما وتفانياً منهم في عمله الانتظاري.

أضف تعليق