تطورات ديناميكية الاحداث في صراع الاستراتيجيات الامريكية الإيرانية
تحدثنا في المقالين السابقين عن استراتيجيات الصراع الأمريكي الإيراني، وعن الاستراتيجيات المستقبلية المتوقعة لذلك الصراع، وعن الاسوار الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية.
في هذا المقال سوف نتحدث عن التطورات الديناميكية للاحداث، أي الاحداث الطارئة والتكتيكات والخطط البديلة لاهداف تلك الاستراتيجيات، فالاستراتيجيات وكما اشرنا في المقالات السابقة انها محدودة وثابتة، بيد ان التكتيكات والاهداف العائدة لتلك الاستراتيجيات ذات صفة ديناميكية تتغير بتغير الاحداث الطارئة سيما تلك التي تؤدي الى فشل بعض الأهداف، مما يستوجب القيام ببعض التكتيكات والخطط البديلة واستحداث اهداف جديدة تصب في مسار تلك الاستراتيجيات.
ثمة احداث مهمة طارئة حصلت في الأيام القليلة الماضية، وثمة احداث جديدة في طور الحصول، وثمة اهداف تابعة لاستراتيجيات معادية قد فشلت، لذا رأينا خططاً بديلة وتكتيكات جديدة قد جرت، وأخرى متوقع حصولها في الفترة القادمة.
ذلك من جهة، ومن جهة أخرى ثمة استراتيجيات معادية قد تفشل تماما نتيجة فشل كافة أهدافها مما يجعلها ليست ذات فائدة، وحري بالاعداء استبدالها باستراتيجيات جديدة.
الاحداث المهمة والطارئة التي حصلت تتمثل بما يلي:
١- انتهاء الهدنة بين الامريكان وفصائل المقاومة، وعودة صواريخ المقاومة لاستهداف القواعد العسكرية والمصالح الامريكية في العراق.
ان انتهاء الهدنة بين الامريكان وفصائل المقاومة ماذا يعني في حسابات صراع الاستراتيجيات؟
انتهاء الهدنة يعني امرين:
الأول: عزم المقاومة على انهاء استراتيجية الجوكر المعادية عن طريق تكتيك التصدي المباشر ومن خلال جهة مقاومة غير خاصعة للمعادلة الدولية او الإقليمية (التيار الصدري) وتلك القوة مكافئة للجوكر بل هي اقوى من الجوكر، ولدى تلك القوة مصالح سياسية متعارضة ومتقاطعة مع حركة الجوكر.
الثاني: قيام الامريكان بتكتيك ضرب فصائل المقاومة عسكرياً واغتيال بعض قياداتها سواء على مستوى الجمهورية الإسلامية او محور المقاومة.
ان هذا الصراع هو عند السور الثالث للجمهورية الإسلامية، أي سور المقاومة والحشد الشعبي العراقي والعملية السياسية العراقية، أي على المستوى الجيوسياسي الملاصق لحدود الجمهورية الإسلامية.
٢- عودة جماعات الجوكر للتحرك والهيمنة على بعض الساحات.
ان عودة تلك المجاميع يعني ظاهراً إعادة تفعيل استراتيجية الجوكر، ولكن من الواضح ضعف تلك الاستراتيجية كثيراً، وانها أصبحت تتعارض مع هيمنة قوة مكافئة للجوكر ممسكة للأرض ولا يمكن بأي حال من الأحوال السيطرة عليها، واعني هنا (التيار الصدري)
فهل سيعمد العدو الى التخطيط لاغتيال السيد الصدر؟
قطعاً لا فحماقات العدو ليست بهذه البساطة، فالعدو الكبير تكون حماقاته بحجم كبره، أي على المستوى الاستراتيجي.
٣- تحرك التيار الصدري وبتوجيه مباشر من قيادة التيار لانهاء تظاهرات الجوكر عنوة.
ان حركة التيار الصدري ضد مجاميع الجوكر، هي نتيجة تقاطع المصالح السياسية، سيما مع قرب الانتخابات المزمع اجرائها.
ومن المعلوم ان التيار الصدري يمتلك من القدرة بمكان ان لا تقف بوجهه أي جهة كانت، خارجية او داخلي،
وفي مثل هذه الحال يحتاج العدو الى استراتيجية معينة تعمل على تحويل التيار الصدري من جانب العداء لهم الى حليف استراتيجي داخل المعادلة العراقية، حيث سيكون التيار الصدري بمثابة سكينة خاصرة للجمهورية الإسلامية ولمحور المقاومة.
٤- قيام العدو بتنفيذ عملية اغتيال لداينمو البرنامج النووي الإيراني البروفيسور محسن فخري زاده.
من الملاحظ ان حادثة اغتيال الشهيد محسن زاده، جائت مزدوجة، أي انها موجهة نحو شخصية لها مدخلية في الاسوار الثلاثة للجمهورية الإسلامية، فهو ضابط في الحرس الثوري، وهو عالم نووي، وهو من المؤسسين للقيام الإيراني.
ان اغتيال هكذا شخصية هي رسالة الى محور المقاومة، مفادها ان يد الصهيوامريكية طائلة وانها سوف تستهدف ثلاث جهات:
الأولى: قيادات القيام الإيراني.
الثانية: قيادات محور المقاومة وفصائل المقاومة ومقراتها.
الثالثة: ضرب مفاعلات الطاقة النووية.
ان هذا المنحى الجديد للعدو الصهيوامريكي، يبين وبجلاء حجم الخسائر الاستراتيجية التي تلقاها تحالف الأعداء في مقابل مكاسب محور المقاومة، اذ ان الكي هو آخر الدواء!
في المقابل فإن الصهيوامريكية استخدمت تقنية نوعية في استهداف الشهيد زاده، وذلك ما سيعقد مشهد الصراع، حيث من الواضح ان الاعداء يعملون على استدراج الجمهورية الإسلامية نحو ميدان قد لا تجيد ايران النزال فيه، وهو ميدان سباق الهيمنة التقنية النوعية، وهذا ما سوف نتحدث عنه في مقال لاحق ان شاء الله.
٥- رد الجمهورية الإسلامية بمنع مفتشي منظمة الطاقة الدولية من تفتيش محطات الطاقة النووية الإيرانية، وكذلك رفع تخصيب اليورانيوم الى ٢٠٪ وهي النسبة التي تمثل اصل الخلاف بين الولايات المتحدة والإيرانيين.
من التكتيكات التي اتخذتها الجمهورية الإسلامية، في قبالة التهديد الذي طال الاسوار الثلاث، من خلال قيام العدو باغتيال داينمو برنامج الطاقة النووية الشهيد زاده، عمدت الجمهورية الإسلامية الى الإعلان عن توجهها نحو رفع نسبة تخصيب اليورانيوم في مفاعلاتها الى ٢٠٪ وهي نسبة مرتفعة تثير ارتياب دول الغرب والكيان الصهيوني.
بات جليا ان هذه الخطوة اتخذت لكبح جماح الامريكان، ولأجل زيادة الضغط الأوربي على أمريكا لغرض إعادة العمل بالاتفاقية النووية.
وتحصينا للسور الاستراتيجي الثاني للجمهورية الإسلامية.
٦- اعلان السعودية الغاء مشروع الاستثمار في أراضي الجنوب والفرات الأوسط العراقية.
هذا الإعلان يشف عن احتمالين:
الأول: ان يكون هذا التصريح لامتصاص غضب الجماهير العراقية الغاضبة ومن ثم يتم الشروع به تدريجيا في ظروف معينة يتم التهيئة لها فيما بعد.
الثاني: ان يكون الغاء المشروع حقيقي مما يعني وجود خطط بديلة ينبغي عدم اغفالها.
خاتمة:
هكذا جرى مشهد ديناميكية الاحداث السياسية والأمنية في المنطقة، وثمة احداث كثيرة مرتقبة سوف تتحرك ضمن استراتيجيات الأعداء وما يقابلها من استراتيجيات المقاومة والممانعة للعدوان الاستكباري.
كنا قد تحدثنا في المقال السابق عن الاستراتيجيات المعادية المستقبلية، وذكرنا استراتيجيات الجوكر، وداعش، و التقسيم (عوف السلمي في البعد العلاماتي) والاحتلال التركي (استثارة الترك عليكم وتجهيزها الجيوش في البعد العلاماتي) والاستثمار السعودي، والانقلاب العراقي الشيعي الداخلي (حركة الشيصباني في البعد العلاماتي) والانقلاب السوري الداخلي (حركة السفياني في البعد العلاماتي) واستبدال استراتيجيتي الاحتلال التركي بعد فشلها، وعوف السلمي بعد فشلها ايضاً، باستراتيجية (الاحتلال السفياني للعراق)
وبالطبع فإن استراتيجية السفياني وخروجه الى العراق، تستهدف اضعاف وتمزيق محور المقاومة، وانهاء دور فصائل المقاومة في العراق والحشد الشعبي، واسقاط العملية السياسية في العراق، والقضاء على مصدر القوة الشيعية في النجف الاشرف، وإقامة دولة سورية قومية ذات حكومة عميلة للغرب تمتد من البحر الأبيض المتوسط غربا الى الخليج شرقاً، في محاذاة حدود الجمهورية الإسلامية (أي على حدود سور القيام الإيراني جغرافيا واستراتيجيا)
من الاستراتيجيات المهمة المستقبلية ايضاً، والتي سينتهجها الأعداء، هي استراتيجية كسب قوى شيعية عراقية الى جانب العدو، لذا فإنه في البعد الروائي ثمة شخصيات وحركات تمثل ثقلا اجتماعيا وسياسيا في الواقع العراقي الشيعي، تعمل تلك الشخصيات والحركات على امداد العدو واضعاف القوى الشيعية المقاومة والممانعة.
من تلك الشخصيات والحركات:
الشيصباني في الكوفة.
الكاهن الساحر في بغداد، وبعض الشخصيات والحركات البترية ذات الطابع السياسي.
دجال البصرة، وبعض الحركات المنحرفة كالمولوية وسواها من الحركات البترية ذات الطابع الديني.
زيدية النجف الاشرف.
خوارج رميلة الدسكرة في ديالى.
(الجوكرية) صاحب البرقع وغمازيه في النجف الاشرف.
كل تلك الشخصيات القيادية والحركات سوف يتم صناعتها او استمالتها بصورة او بأخرى.
ما نحن بصدد الحديث عنه في مقالنا اللاحق، هو تحجيم استراتيجية الجوكر من قبل التيار الصدري، وطبيعة الاجرائات والتكتيكات بل وربما الاستراتيجيات المتبعة من قبل الأعداء لتحييد التيار الصدري عن ميدان الصراع الاستراتيجي بين الصهيوامريكية ومحور المقاومة.
كتب بتاريخ ١-١٢-٢٠٢٠
