سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية
المحاضرة السابعة:
- المصلحة الحيوية:
(الحيوية) هي الامور الهامة وذات الضرورة الملحة.
والمصلحة الحيوية: تعرف بأنها مجموعة من الأهداف المهمة تسعى الدولة الى تحقيقها لأجل دفع احداث (تهدد مصالحها القومية) من المتوقع حصولها مستقبلاً. تُعَدّ المصلحة حيوية، حينما ترى قيادة الدولة أن موضوعاً ما يشكل نزاعاً دولياً، انه يؤثر بدرجة كبيرة على الرفاهية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، بالشكل الذي يحتم عدم المضي في المساومة عليه، حتى لو نتج من ذلك حتمية استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية.
اما الفرق بين المصلحة الحيوية والموضوعات الحيوية:
فالمصلحة الحيوية: هي اهداف، يتم السعي لتحقيقها، لدفع مخاطر (احداث) تهدد المصالح القومية للدولة، وتلك المخاطر مستقبلية.
اما الموضوعات الحيوية: فهي احداث، تحققت بالفعل على ارض الواقع، تمثل مخاطر تهدد المصالح القومية للدولة (الدفاعية والعقائدية) فقط.
إن صانعي السياسة عادة يؤسسون تحليلاتهم للمصالح الحيوية بناء على معايير عدة، إلا أن ذلك قد يتم في بعض الأحيان، اعتماداً على خواطر طارئة.
ففي عام 1965 على سبيل المثال، أثبتت السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة الأمريكية اعتمادها على طبيعة غير نظامية (أي قرارات غير مدروسة) لمجلس الأمن القومي، في ذلك الوقت، من خلال تقديره الاحتفاظ بفيتنام الجنوبية كمصلحة حيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لوقف انتشار الشيوعية.
نماذج من المصالح الحيوية:
- حماية الأراضي الأمريكية وحدودها ومجالها الجوي:
يتمثل التهديد الرئيسي لهذه المصلحة الحيوية “في الصواريخ طويلة المدى المزودة بالأسلحة النووية” ويأتي هذا التهديد من مصدرين:
الأول: هو الاتحاد السوفيتي السابق والقوى الأخرى التي تمتلك صواريخ باليستية.
وتوضع الصين في مرتبة روسيا نفسها أو الاتحاد السوفيتي السابق.
الثاني: الدول الشاردة التي تمتلك أسلحة نووية وصواريخ باليستية.
تقدر الولايات المتحدة الأمريكية عدد الدول الأخرى بعشر دول منها: إيران، والعراق، وكوريا الشمالية، وباكستان، والهند.
أما التهديد الآخر ضد هذه المصلحة الحيوية فهو “عدم الاستقرار على الحدود الأمريكية” حيث إن 80% من الكوكايين المهرب، علاوة على ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي يدخلون الولايات المتحدة الأمريكية من الحدود مع المكسيك التي تبلغ ألفي ميل، إلى جانب احتمالات وقوع عمل معادي من جانب كوبا.
- حماية المواطنين الأمريكيين من المخاطر التي تهدد أرواحهم ورفاهيتهم:
ويُعَدّ الإرهاب من أخطر التهديدات للمواطن وللأمن الأمريكي داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية.
- منع التهديد من جانب دولة كبيرة لأوروبا أو شرق آسيا أو الخليج الفارسي:
إن أوروبا وآسيا يشكلان 56% من التجارة الخارجية الأمريكية، والخليج الفارسي يمثل 63% من احتياطي النفط في العالم، وهذه العناصر لازمة لنهضة الاقتصاد الأمريكي، لذلك فإن انتشار 100 ألف جندي أمريكي في أوروبا بصفة دائمة ليس إلا لتأمين أمريكا ورفاهيتها الاقتصادية.
ويأتي التهديد الرئيسي لهذه المصالح في صورة:
“توسع روسي ذو نزعة لاسترجاع الماضي”
أو “ظهور نزعة توسعية لدى العراق أو إيران”
أو “تهديد من كوريا الشمالية والصين في شرق آسيا”.
ويأتي التهديد الروسي في صورة محاولة استرجاع الإمبراطورية السوفيتية، وزعزعة استقرار أوروبا الشرقية أو آسيا الوسطى، إلى جانب التكاليف بمئات البلايين من الدولارات التي سوف يتحملها الشعب الأمريكي لمواجهة هذه الإمبراطورية الجديدة.
أما التهديد العراقي والإيراني، فيتمثل في فرض الهيمنة على المنطقة، بل إذا قدر لهم امتلاك صواريخ بعيدة المدى فسوف يصل التهديد ليس فقط للمصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما إلى قلب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
وتُعَدّ كوريا الشمالية مصدر تهديد من خلال محاولة امتلاك قوة نووية قد تؤدي إلى اضطلاع اليابان بإعادة تسليح نفسها والدخول في منافسة مع الصين لبسط النفوذ في آسيا.
وقد تهاجم كوريا الشمالية الحليف الأمريكي كوريا الجنوبية.
حيث يبلغ تعداد القوات المسلحة لكوريا الشمالية 1.1 مليون جندي، ثلثهم على الحدود الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى وجود 27 ألف جندي أمريكي إلى جانب 650 ألف جندي كوري جنوبي لتوفير الحد الأدنى لردع أي هجوم معادٍ.
أما بالنسبة إلى الصين، فاقتصادها المتنامي وامتلاكها صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، علاوة على دورها في عدم استقرار آسيا من خلال النزاعات مع تايوان وإندونيسيا وماليزيا وفيتنام، حول أراضي جزر اسبراتلي، كل هذا يشكل تهديداً له تأثيره المباشر على الإستراتيجية الأمريكية.
- الحيلولة دون تدخل عدائي من جانب قوى خارجية في نصف الكرة الغربي:
ويتمثل التهديد فقط في ما تثيره بعض الدول من إزعاج للسياسة الأمريكية، حتى بعد فقدها الحليف الرئيسي لها وهو الاتحاد السوفيتي السابق.
- حرية الوصول للتجارة والاستثمارات الدولية:
دخلت اتفاقية التجارة الدولية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في يناير 1994، وهي تُعَدّ التجارة الدولية السبب الرئيسي في ازدهار ونمو الحياة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
ويأتي التهديد الرئيسي في هذا المجال من:
إجراءات الحماية؛ والتي إذا لم تكن كافية قد تضر بالتجارة الدولية.
والتكتلات التجارية؛ والتي قد تحيد مصالح الولايات المتحدة التجارية.
والحرب التجارية؛ والتي قد تؤثر بصورة كبيرة على المصالح التجارية للولايات المتحدة.
ويُعَدّ اتجاه أوروبا إلى حماية مصالحها الزراعية بما تفرضه من إجراءات، وأيضاً المنافسة التجارية أو الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، خاصة في مجال السيارات من أخطر ما يهدد الولايات المتحدة الأمريكية، ليس فقط في مجال التجارة والاقتصاد، وإنما أيضاً قد يؤدي ذلك إلى تأزم العلاقات، وتعريض النظم الأمنية والمصالح الأمريكية للخطر في كل من أوروبا وآسيا.
- تأمين حرية البحار والإبحار:
يستلزم حماية هذه المصلحة من الولايات المتحدة الأمريكية لنقل الشحنات التجارية والعسكرية والحفاظ على المناطق الحيوية ذات الاختناقات مفتوحة بلا عوائق، وخاصة مضيق هرمز ومضيق ملقة بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي وقناة بنما.
يُعَدّ أهم التهديدات لهذه المصلحة الحيوية هو التهديدات العسكرية لحرية البحار، وعلى الرغم من عدم وجود تهديد في المستقبل القريب، إلا أن تجريد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من القدرة على السيطرة على خطوط الملاحة البحرية في العالم، قد تهدد المصالح الأمريكية سياسياً واقتصادياً.
وعلى سبيل المثال، فإن مضيق كوريا ومضيق تايوان ومضيق لوزون في آسيا تقع في مناطق بها قلاقل، وغير مؤمنة بشكل مطمئن، ويسيطر على خطوطها البحرية كل من كوريا الشمالية والصين، بما لها من مصالح متعارضة مع المصالح الأمريكية.
كما أن انتشار صواريخ كروز والغواصات التقليدية، على الرغم من أنها لا تمثل تهديداً كبيراً للبحرية الأمريكية، إلا أنها تُعَدّ تهديداً لحرية البحار، وبما يؤثر على المصلحة الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية.
بهذا نستطيع تفسير ازمة الغواصات الأسترالية الأخيرة، وانشاء الحلف الانكلوساكسوني، وتجاوز الولايات المتحدة على مصالح حليفتها الاوربية فرنسا.
- سهولة الوصول إلى مصادر الثروات:
اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على 50% من استهلاكها من البترول من الخارج، كما أن استيراد الكروم والكوبالت والمنجنيز لصناعة الصلب والسبائك الخاصة اللازمة للمحركات التوربينية للطائرات، وهذه العناصر تمثل مواد إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية تؤثر تماماً على مصالحها الحيوية.
ويُعَدّ “عدم ضمان الإمداد بهذه المواد” من التهديدات المهمة لهذه المصالح.
وعلى الرغم من عدم وجود خطر حالياً ضد المواد المعدنية الإستراتيجية، إلا أن التهديد الإيراني والعراقي من حيث فرض الهيمنة على الخليج الفارسي يمثل أساس التهديد للمصالح البترولية الأمريكية.
العوامل المؤثرة على صناعة القرار بالإضافة الى العوامل الحيوية:
أ. الارتباط العاطفي:
يُشير هذا العامل إلى التأييد الذي يعطي إلى بعض الدول، نظراً إلى طبيعة الاتصال الثقافي والروابط العرقية القوية التي يشعر بها المواطنون تجاه هذه الدول.
والمثال الواضح على ذلك هو الارتباط العاطفي للولايات المتحدة الأمريكية تجاه إسرائيل، وارتباط المسلمين والمسيحيين تجاه الأماكن المقدسة في مدينة القدس.
ب. التأثير على هيبة الدولة:
تُعَدّ فكرة التأثير على هيبة الدولة فكرة غامضة إلى حد ما، إلا أن قادة الدول الكبرى يعملون بتأثير قراراتهم في أحد أجزاء العالم، على الرغم من مصداقية وهيبة دولتهم في مكان آخر من العالم.
ج. نوعية الحكومة:
يرتبط هذا العامل مع الموضوعات الأيديولوجية في السياسة الخارجية ومدى نوعية النظام ديموقراطي أم ديكتاتوري؟ وهل يرتبط النظام بحقوق الإنسان وكرامته من عدمه؟
د. توجد علاقة مباشرة ما بين مدة ونطاق الصراع وبين مخاطر هذا الصراع، وهذه العلاقة مؤثرة على القرار السياسي، وتتلخص في عاملين:
(1) مخاطر الصراع طويل الأمد وتوسع النطاق:
وتتمثل بمدى رغبة العدو في مقاومة الضغط العسكري.
وهو عامل أساسي مؤثر على جميع القرارات المتعلقة بالمصلحة الحيوية.
(2) مخاطر معارضة البرلمان:
في الولايات المتحدة الأمريكية تعلّم كل من: الرئيس جونسون، والرئيس نيكسون هذا الدرس القاسي، حينما أجبرت قوى الكونجرس كلا الرئيسين على تغيير مسار الحرب في فيتنام.
والنقطة الأساسية هنا، هي ضرورة أن يكون صانعو السياسة أكثر عنفاً وصرامة في تقرير هل المصلحة حيوية من عدمه؟
ثانياً: تحديد شكل المصلحة القومية:
تُعَدّ المصلحة القومية هي المحددة للسياسات الخارجية للدول، وعلى قدر الاختلاف في المصلحة القومية تتغير اتجاهات السياسة الخارجية، ويبدو شكل المصلحة القومية للدولة في إحدى الصور الآتية:
- حماية السيادة الوطنية ودعم الأمن القومي.
وهذا الهدف له أولوية مطلقة لدى الدول أياً كانت نظمها وقوتها وموقعها وحجمها. وهي توفر لذلك كل إمكانياتها سواء الذاتية أو المضافة، حيث يرتبط هذا الهدف بالحاجة إلى مواجهة التهديدات ضد كيانها، وحتى تدعم الدولة قدراتها قد تدخل في تحالفات، وليس شرطاً أن يكون في إطار رسمي بتوقيع بعض المواثيق. - تنمية مقدرات الدولة من القوة.
وهو ما يدفع بالدول إلى التصارع في شن حروب ضد بعضها، وقد أدى التطور التكنولوجي الحالي في أدوات الحرب الحديثة إلى مضاعفة هذه القوة. - زيادة مستوى الثراء الاقتصادي عن الحد الأدنى المتوفر للثروة الوطنية.
ويُعَدّ ذلك هدفاً رئيسياً لسياسة الدولة الخارجية، حيث ترى في تحقيقه نفوذاً أكبر في المجتمع الدولي، وقد أصبح الثراء الاقتصادي نوعاً من الدعاية للأيديولوجية التي تنجح الدولة في تحقيقها. - تحرص دول كثيرة على نشر أيديولوجيتها والدفاع عن معتقداتها.
وذلك اقتناعاً منها بأن هذا الأسلوب يدعم مصالحها بصورة أفضل، في حالة اعتناق دول أخرى لنفس هذه الأيديولوجية، ويُعَدّ ذلك نجاحاً لها. - صيانة الثقافة الوطنية وحمايتها وتأمينها ضد الأخطار الخارجية التي قد تهددها، في محاولة لتشويه هذه الثقافة وتدميرها.
وقد تتبع الدول في سبيل الحفاظ على هذه الثقافة أساليب كثيرة، منها:
دعم استقلال الدولة.
وفرض قيود على الهجرة القادمة إليها.
وقد تقوم بعض الدول بعمل إيجابي وهو تصدير ثقافاتها إلى الآخرين. - الذود عن السلام.
حيث إن الأعباء على ميزانيات الدول وتأثر الدخل القومي نتيجة تخصيص أموال كثيرة لصالح التسليح، يُعيق مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لذلك فإن توفير هذه المخصصات والحفاظ على المصالح في إطار السلام يحقق معدلات أسرع في التنمية ويرفع من مستوى شعوبها.
