نظرية توازنات القوى والمصالح (٥)

سلسلة محاضرات السياسة الاستراتيجية

نظرية توازنات القوى والمصالح

المحاضرة الخامسة:

المبحث الثاني

أسس توازن المصالح

أولاً: مفهوم المصلحة القومية ومستوياتها:المصلحة القومية: هي الحاجات والرغبات التي تدرك أهميتها دولة ذات سيادة، وعلاقة ذلك مع دول أخرى ذات سيادة.

أي انها الأمور التي تؤثر على الدولة بصورة مباشرة او غير مباشرة من قبل دولة أخرى.

نلاحظ احتواء هذا التعريف على العناصر الرئيسية التالية:

  1. أهمية عنصر الإدراك لحاجات ورغبات الدولة.
  2. ينطبق التعريف فقط على الدول ذات السيادة الكاملة، ولا ينطبق على المنظمات الدولية، أو الأقاليم ناقصة السيادة، التي تعتمد على دول أخرى.

وما زلنا حتى الآن، نرى أن اتخاذ قرارات مثل استخدام القوة العسكرية، وفرض عقوبات اقتصادية، والدخول في التحالفات، وتوفير كميات كبيرة من المعونة الخارجية، يتم فقط بواسطة حكومات الدول ذات السيادة.
لذلك مثلاً لا نجد لدى العراق مستشار امن قومي!

  1. هناك حد فاصل بين المجال الخارجي والمجال الداخلي للدول.
    فالحكومة التي تتعامل مع مجالها الداخلي عادة ما توصف بأنها تعمل لمصلحة العامة أو (المصلحة الوطنية)
    في الوقت الذي تُوصف فيه الحكومة التي تتعامل مع مجالها الخارجي بأنها تعمل في مجال المصلحة القومية.

أنواع المصالح القومية:

  1. المصلحة الدفاعية Defense Interest:
    الدفاع عن الدولة (مجموعة دول) ومواطنيها من أي تهديد بالعنف المادي بواسطة دولة أخرى أو مجموعة دول، والحماية من أي تهديد خارجي محتمل، مباشر أو غير مباشر، ضد النظام السياسي القومي، وتسمى هذه المصلحة ايضاً بالأمن القومي.
  2. مصلحة النظام الدولي World- Order Interest:
    الحفاظ على نظام دولي سياسي واقتصادي، تستطيع الدولة أن تشعر في إطاره بالأمن، ويمكن أن يمتد نشاطها التجاري خارج النطاق الجغرافي للدولة بحرية.
  3. المصلحة الاقتصادية Economic Interest:
    تعظيم الرفاهية الاقتصادية للدولة أو مجموعة دول بالنسبة للدول الأخرى.
  4. المصلحة العقائدية Ideological Interest:
    حماية وتدعيم مجموعة من القيم التي يشترك فيها المواطنون والدولة أو مجموعة دول، والاعتقاد في صلاحيتها في كل العالم، مثل (عقيدة العلمانية والليبرالية والحرية والديمقراطية..الخ)

المصلحة الدفاعية (عند التهديد)
مصلحة النظام الدولي (عند الحاجة للنظام الدولي)
المصلحة الاقتصادية (عند الضعف الاقتصادي)
المصلحة العقائدية (في حالة الاستقرار)والعلاقات بين هذه المصالح الأساسية الأربع يمكن إيجازها في الآتي:

أ‌. يوجد ترتيب افضلية للمصالح الأربعة (بصورة عامة)

حيث اننا نرتب المصالح الأربعة أعلاه وفق الترتيب الآتي:
المصلحة الدفاعية.
مصلحة النظام الدولي.
المصلحة الاقتصادية.
المصلحة العقائدية.

ولكن قد تتقدم بعض المصالح في فترة معينة وظروف معينة وتتأخر الأخرى.

وتعد المصلحة الدفاعية مقدمة على غيرها، اذ ما لم تتحقق المصلحة الدفاعية ـ سواء عن طريق قوة دفاعية قوية، أو بالتحالف مع قوى كبرى، أو كليهما ـ فلن يصبح لأي من المصالح الثلاث الأخرى أي أهمية، وقد تسخر بقية المصالح الثلاثة خدمة للمصلحة الدفاعية العامة.

ب‌. ينبغي موازنة المصالح الاربعة لتحقيق المصلحة القومية العامة.

على سبيل المثال: قد يضحى في بعض الأحيان بالمصالح الاقتصادية للدولة لصالح مصلحة النظام الدولي، والتي تشمل دولة أخرى تحتاج الدولة لصداقتها وتعاونها لصالح الاستقرار في جزء مهم من العالم.

والمثال الواضح لذلك هو الصادرات اليابانية والكورية الجنوبية من السيارات والتليفزيونات وغيرها من الأجهزة الالكترونية والكهربائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ج. تحديد أولويات المصالح الأربعة:

ان المصلحة العقائدية تُعَدّ بصفة عامة مهمة في تحديد ردود أفعال الحكومة للموضوعات الدولية.

يتم تحديد أولويات المصالح القومية حسب الظروف الموضوعية حينها.
وتتدخل في تحديد تلك الأولويات ايضاً (السياسات البيروقراطية وجماعات الضغط داخل الدولة)

ففي فترة الخمسينيات، وحينما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تملك موارد لا حدود لها، تلقت المصالح الأربع دعماً قوياً.

إلا أنه خلال فترة السبعينيات، وحينما قُيد الاقتصاد الأمريكي بسبب حرب فيتنام، وانخفاض القدرة التنافسية للولايات المتحدة الأمريكية أمام ألمانيا واليابان وبعض الدول الأخرى، اضطرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لإعطاء أولوية متقدمة للمصالح الاقتصادية وأولويات بدرجة اقل إلى حد ما لمصالح النظام الدولي.

وفي عام 1977، أعطت الولايات المتحدة الأمريكية أولوية متقدمة للمصلحة العقائدية أكثر منها في الأعوام السابقة، بسبب حالة الاستقرار التي مرت بها.

قبل الحرب العالمية الثانية، لم تعط الولايات المتحدة الأمريكية اهتماماً كافياً لمصلحة النظام الدولي، إذ كانت امريكا تعتقد أنها تستطيع أن تكون في أمان ورخاء، دون التورط بالدخول في عصبة الأمم أو في أي تحالفات.

وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، غيرت الولايات المتحدة الأمريكية من موقفها، وقررت إعطاء عناية أكبر لصالح النظام الدولي، وذلك نتيجة لتمزق التركيب القديم للعلاقات الدولية نتيجة للحرب، وظهور قوى قد تشكل خطراً على المصالح الامريكية مستقبلاً، مثل الاتحاد السوفيتي.

وبدلاً من العزلة التي كانت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، ظهرت بعض الأفكار الأمريكية، مثل:
مشروع مارشال لإعادة تعمير أوروبا ١٩٤٧
وعقيدة ترومان التي دعت إلى مساعدة اليونان وتركيا لتحجيم الضغوط السوفيتية في شرق البحر المتوسط ١٩٤٨
وحلف شمال الأطلسي ١٩٤٩

وبالطبع لم تكن أي من هذه الخطوات للسياسة الخارجية الأمريكية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بين عامي 1947-1949 ضرورية للدفاع المباشرعن أمريكا الشمالية.
إلا أنها كانت تعتبر ان التدخل الذي تم خارج الحدود كان مطلوباً للمحافظة على النظام الدولي لفترة ما بعد الحرب.

فقد خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية أعظم قوة مؤثرة في العالم، وقد رغبت في البقاء كذلك.

إن المصالح القومية الأربع الأساسية هي عناصر ديناميكية تحدد سلوك الدول.

والتغيرات في درجة أسبقية المصالح فيما بينها غالباً ما تُقاس بالسنين وعشرات السنين، وليس على فترات زمنية قصيرة.

ويُعَدّ تحديد المصالح القومية الأساسية، التي تتواجد في الأزمات الخارجية، الخطوة الأولى في تحديد السياسة الخارجية للدولة.

والخطوة التالية هي التحليل الصحيح لدرجة أهمية هذه المصالح، أو المكاسب القومية التي يعتقد بوجودها القادة السياسيون لدولة ما.

فقد يكون اهتمام الدولة كبيراً في إمكانية حدوث تغيير للنظام السياسي بالقوة في دولة أخرى صديقة.
إلا أن درجة أهمية هذا الاهتمام ستعتمد على عدد من العناصر، من بينها:
بُعد الدولة الصديقة عن حدود هذه الدولة.
وتكوين اتجاهات الحكومة الجديدة.
والاستثمارات والتجارة مع الحكومة الجديدة.
والعلاقات التاريخية بينهما.

كما يجب أن يضع صانعو السياسة في الحسبان التكاليف المحتملة لأي أعمال إيجابية قد يتخذونها.
وبذلك، فإن درجة أهمية المصلحة يعتمد على تحليل المكاسب والخسائر التي يدركها القادة السياسيون لهذه الدولة.

أن إجراءات تحديد أهمية المصلحة والتي ترى الدولة اتخاذها تتضمن إيجاد التوازن المطلوب بين المصالح الأربع الأساسية التي ذُكرت من قبل.

أضف تعليق