مسجد براثا في احاديث الظهور الشريف

مسجد براثا في احاديث الظهور الشريف

—————————————–

يقع مسجد براثا في مدينة بغداد على جانب الكرخ في منطقة العطيفية في بداية الطريق بين بغداد ومدينة الكاظمية، وتبعد منطقة براثا حوالي 10 كم عن مركز المدينة.

تضم منطقة براثا في الوقت الحاضر مسجداً كبيراً في أعلاه مئذنتان بنيتا سنة 1375 هـ ويضم مكتبة قديمة تم تحديثها مؤخراً، كما يضم حرماً للصلاة مع صحن واسع وبئر تعرف باسم بئر الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالإضافة الى الصخرة البيضاء التي وضعت السيدة مريم ولدها المقدس عليها، والصخرة السوداء المنطّقة التي اقتلعها الامام علي عليه السلام من فوهة البئر ومقبرة قديمة.

ومما أكتنفته الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين عليهم السلام، وما أولاه النبي محمد والإمام علي صلوات الله عليهما من إهتمام منقطع النظير بمسجد براثا؛ لهو أمر يثير الغرابة ويطرح علامات استفهام كثيرة، وكذلك من الملاحظ أن سائر تلك الروايات لا تذكر مسجد براثا الا وقرنته بالظهور الشريف للإمام المهدي عج، مما يبدو أن لذلك المسجد دوراً كبيراً وجوهرياً في التمهيد للإمام الحجة عج.

الشيخ المفيد يلقي درسه في براثا:

————————————-

الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) تلك الشخصــية الفـذّة الـذي اعترف المؤالف والمخالف بعلمه، وذكائه، وزهده، وتقواه، وكان شيخ أساتذة الكلام في عصره الذي شهد قمة الجدل الفكري والعقائدي بين المدارس الفكرية المختلفة، وكان عظيم الشأن رفيع المنزلة، له كرسي للتدريس في مسجد براثا في بغداد، يقصده العلماء والعوام للاستزادة من علمه، وله أكثر من (200) مصنّف في مختلف العلوم وفي فضل مسجد براثا قيل: (ومن المساجد المحثوث على الصلاة فيها مسجد براثا ببغداد، ومسجد المباهلة، ومسجد الفتح، ومسجد قبا وهذه في المدينة، وفي المنزل واحدة، وكان الشيعة يقيمون صلاة الجمعة حتى أواسط القرن الخامس الهجري وخاصة في مسجد براثا في بغداد) (1)

أصل كلمة براثا:

—————

براثا كلمة ليست بعربية وانما كلدانية مسيحية وتعني “ابن الراية” و “ابن المعجزات” (2)

الأنبياء والأوصياء والشهداء في براثا:

————————————

في الأخبار أنه صلى في براثا سبعون من الأنبياء والأوصياء منهم إبراهيم وعيسى ودانيال ويوشع وإلياس وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين) وأن فيه قبر أحد أنبياء الله، وأنه يحشر في هذا المكان عشرون ألف ومائة شهيد.

تعرض المسجد لعدة مرات للهدم وتسويته مع الارض وقتل جميع من فيه وعلى الخصوص في العهدين العباسي والعثماني، وفي السنوات الاخيرة تعرض للتفجيرات لأكثر من خمس مرات وراح ضحيتها أكثر من 100 شهيدا وعشرات الجرحى مع محاولات اخرى تم احباطها والحمد لله.

براثا والتمهيد للامام المهدي عج:

————————-

ورد في الرواية: عن ابن عمر قال: هدم المنافقون مسجدا بالمدينة ليلا فاستعظم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا تنكروا ذلك فان هذا المسجد يعمر ولكن إذا هدم مسجد براثا بطل الحج، قيل له واين مسجد براثا هذا؟ قال: في غربي الزوراء من ارض العراق صلى فيه سبعون نبيا ووصيا وآخر من يصلي فيه هذا واشار بيده الى مولانا علي بن ابي طالب عليه السلام) (3)

أراد رسول الله صلى الله عليه وآله بذكر مسجد براثا والذي لم يكن قد بني بعد؛ أن يبين فضل ذلك المسجد والاشارة الى أن الإمام علي عليه السلام سوف يمر بمكان المسجد، بل انه توجيه من النبي الى الأمير صلوات الله عليهما وعلى آلهما ببناء المسجد، وهنا أصّل النبي صلى الله عليه وآله الى قضية بناء مسجد براثا.

وبالفعل نجد أن الإمام علي ومعه الحسن والحسين صلوات الله عليهم، بالرغم من عناء السفر ووعثاء الطريق من الكوفة الى النهروان وقتاله للخوارج، وكان من المفترض أن يعود الى الكوفة مباشرة او الى المدائن بعد انتهاء المعركة، بيد أنه قرر أن يقطع المسافة من النهروان الى موضع مسجد براثا ويقيم هناك أربعة أيام ليؤسس لبناء مسجد براثا، وليبين لنا سر اهتمام النبي محمد صلى الله عليه وآله بالمسجد، إذ أن المساجد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله كان بناءها مكلفاً وشاقا على المسلمين الا ان النبي صلى الله عليه وآله لم يكترث لقيام المشركين بهدم احد مساجد المسلمين تحت جنح الليل، وأراد ان يستثمر الفرصة ليرسخ أهمية مسجد براثا، فقد بين النبي صلى الله عليه وآله مؤدى هدم مسجد براثا وبطلان الحج.

فقد ورد في الرواية: عن أنس بن مالك قال: (لما رجع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من قتال أهل النهروان نزل براثا وكان بها راهب في قلايته وكان اسمه الحباب فلما سمع الراهب الصيحة والعسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع ذلك ونزل مبادراً فقال: من هذا، ومن رئيس هذا العسكر؟ فقيل له: هذا أمير المؤمنين وقد رجع من قتال أهل النهروان. فجاء الحباب مبادراً يتخطى الناس حتى وقف على أمير المؤمنين فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقاً حقاً. فقال له: وما علمك بأني أمير المؤمنين حقاً حقاً؟ قال له: بذلك أخبرنا علماؤنا وأحبارنا. فقال له: يا حباب! فقال الراهب: وما علمك باسمي؟! فقال: أعلمني بذلك حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له الحباب: مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنك علي بن أبي طالب وصيه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام وأين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: بعد يومك هذا لا تسكن فيها، ولكن ابن هاهنا مسجداً وسمه باسم بانيه، ثم قال: ومن أين تشرب يا حباب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا، قال: فلم لا تحفر عيناً أو بئراً؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلما حفرنا بئراً وجدناها مالحة غير عذبة، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إحفر هاهنا بئراً فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها، فقلعها أمير المؤمنين عليه السلام فانقلعت عن عين أحلى من الشهد، وألذ من الزبد، فقال له: يا حباب يكون شربك من هذه العين، أما إنه يا حباب ستبنى إلى جنب مسجدك هذا مدينة وتكثر الجبابرة فيها، ويعظم البلاء، حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، فإذا عظم بلاؤهم شدوا على مسجدك بفطوة ثم- وابنه بنين ثم وابنه لايهدمه إلا كافر ثم بيتاً- فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين، واحترقت خضرهم وسلط الله عليهم رجلاً من أهل السفح لا يدخل بلداً إلا أهلكه وأهلك أهله، ثم ليعد عليهم مرة أخرى، ثم يأخذهم القحط والغلا ثلاث سنين حتى يبلغ بهم الجهد، ثم يعود عليهم، ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة إلا سخطها وأهلكها وأسخط أهلها، وذلك إذا عمرت الخربة وبني فيها مسجد جامع، فعند ذلك هلاك البصرة، ثم يدخل مدينة بناها الحجاج يقال لها واسط، فيفعل مثل ذلك، ويتوجه نحو بغداد فيدخلها عفواً، ثم يلتجئ الناس إلى الكوفة، ولا يكون بلد من الكوفة تشوش الأمر له، ثم يخرج هو والذي أدخله بغداد نحو قبري لينبشه فيتلقاهما السفياني فيهزمهما ثم يقتلهما، ويوجه جيشاً نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها، ويجئ رجل من أهل الكوفة فيلجؤهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن… فعند ذلك يا حباب يتوقع بعدها هيهات هيهات وأمور عظام، وفتن كقطع الليل المظلم، فاحفظ عني ما أقول لك يا حباب) (4)

هنا نلحظ عدة أمور منها:

١- ان النبي محمد صلى الله عليه وآله قد أخبر الامام علي عليه السلام بتفاصيل ذهابه الى براثا واسم الراهب الموجود هناك، مما يؤكد الأهمية المستقبلية لمسجد براثا في إتمام الرسالة المحمدية.

2- أن خبر المسجد مذكور في التوراة بتفصيل ان وصي نبي آخر الزمان يمر به وهنا يتبين لنا قِدم اهتمام الأنبياء بمسجد براثا حيث صلى فيه سبعون نبياً ووصياً اولهم النبي إبراهيم عليه السلام، وورد ذكره في التوراة واهتمام النبي موسى عليه السلام نبي بني اسرائيل به، ناهيك عن قدوم مريم عليها السلام اليه وانجابها ولدها النبي عيسى عليه السلام فيه!

3- استرسل أمير المؤمنين عليه السلام في تبيان ما أراده النبي محمد صلى الله عليه وآله، من ذكر مسجد براثا، حيث تحدث عن عمارة المناطق المحيطة بالمسجد، وخص منها بعض المناطق التي تكثر فيها الجبابرة، وستكون بؤرة للفساد، حيث أشار الى ذلك بقوله: حتى أنه ليركب فيها كل ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، ويشتد البلاء على أهل المدينة من تلك المناطق الفاسدة المحيطة بالمسجد، حتى يضطر الناس الى إحاطة المسجد بسور لحمايته (شدوا على مسجدك بفطوة) وبالرغم من وجود بعض الإضطرابات في الرواية الا أنها تتحدث في بعض مقاطعها عن أحداث تامة، ومن الواضح ان الرواية تتحدث عن مسجد براثا في زماننا هذا وتهديد الجماعات الإرهابية له والقادمة من بعض المناطق الفاسدة المحيطة بالمسجد كشارع حيفا ونحوه.

4- تحدثت الرواية عن هدم مسجد براثا ومنع الحج ثلاث سنين، ثم ينتقل الأمير صلوات الله عليه الى آخر الزمان ويتحدث عن جيش يقدم لإحتلال العراق، ويكاد أن يدخل العراق فتحدث حالة غلاء في الأسعار ويبدوا أن ذلك بسبب حصار إقتصادي يفرض على العراق، ثم يعود ذلك الجيش بعد فترة من الزمن ليحتل العراق، وترسم الرواية بدقة خارطة مسار الجيش نحو بغداد، حيث يمر بالبصرة ويتعرض الى مقاومة شديدة هناك، ثم يمر بواسط ويتعرض لمقاومة ايضاً، ومن ثم يدخل بغداد عفواً، أي بمقاومة ضعيفة مقارنة بالبصرة وواسط، ثم بعد ذلك تتشكل حكومة في بغداد، وتحدث حالة من المقاومة في الكوفة، فيتحرك الجيش المحتل بمعية جيش الدولة لقمع تلك الحركة، فيحدث إقتتال عند مرقد أمير المؤمنين عليه السلام، يكاد أن يتم قصف المرقد، وقد عبر عن القصف بالنبش، وهما لفظان متقاربان في المعنى كما هو واضح، واسمت الرواية من يقاتل هذه الجيوش بالسفياني وهو غير السفياني الشامي،عند ذاك يخرج رجل من رموز مدينة النجف الأشرف، له ثقل إجتماعي كبير فيفض النزاع.

كما تحدثت رواية أخرى عن بعض الأمور التي قام بها أمير المؤمنين علي عليه السلام، في موقع المسجد:

الرواية المنقولة عن الشيخ الطوسيّ: ان الامام علي عليه السلام عندما نزل في براثا عند عودته من حرب الخوارج في النهروان قابله راهب نصراني فقال له: لا تَنزِلْ هذه الأرض بجيشك، قال: ولِمَ ؟! قال: لأنه لا ينزلها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ بجيشه يقاتل في سبيل الله عزّوجلّ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: أنا ذلك، فنزل الراهب إليه فقال: خُذْ علَيّ شرايع الاسلام، إنّي وجدتُ في الإنجيل نَعتَك وأنّك تنزل أرض براثا بيت مريم وأرضَ عيسى عليهما السّلام، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: قِفْ ولا تُخبِرْنا بشيء، ثمّ أتى موضعاً فقال الكُزوا هذا، فلكَزَه برِجْله عليه السّلام فانبجَسَتْ عينٌ خَرّارة، فقال: هذه عينُ مريم التي أُنبِعَت لها. ثمّ قال: اكشفوا ها هنا على سبعة عشر ذراعاً. فكُشِف، فإذا بصخرةٍ بيضاء، فقال عليه السّلام: على هذه وَضَعَت مريمُ عيسى من عاتقها وصَلَّت ها هنا. فنصب أميرُ المؤمنين عليه السّلام الصخرةَ وصلّى إليها، وأقام هناك أربعة أيّام يُتمّ الصلاة، ثمّ قال: أرض براثا، هذا بيت مريم عليها السّلام، هذا الموضع المقدّس صلّى فيه الأنبياء ومنهم ابراهيم الخليل عليه السلام. (5)

قدّم الإمام علي عليه السلام، البراهين الدامغة على قدسية المكان، حيث بين موضع العين التي انبجست لمريم عليها السلام، وحفر بعمق سبعة عشر ذراعاً لكي يستخرج الصخرة البيضاء التي وضعت عليها السيدة مريم وليدها القادس، وقدّم الراهب براهينه بأن خبر نزول الامام علي عليه السلام في موضع براثا مذكور في الانجيل!

وذكرت الروايات الشريفة ان موضع مسجد براثا يكون في يمنة السواد، أي في يمين المنطقة المأهولة بالسكان في بغداد، كما سمي موضع المسجد بالموضع المقدس.

ففي الرواية عن علي بن الحسين بن علي بن الحسين، عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء فقال للناس: إنها الزوراء فسيروا وجنبوا عنها، فان الخسف أسرع إليها من الوتد في النخالة. فلما أتى موضعا من أرضها قال: ما هذه الارض؟ قيل: أرض نجرا. فقال: أرض سباخ جنبوا ويمنوا. فلما أتى يمنة السواد إذا هو براهب في صومعة فقال له: يا راهب انزل ههنا؟ فقال له الراهب: لا تنزل هذه الارض بجيشك، قال: ولم؟ قال: لأنه لا ينزلها إلا نبي أو وصي نبي بجيشه يقاتل في سبيل الله عز وجل هكذا نجد في كتبنا.

فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أنا ذلك. فنزل الراهب إليه فقال: خذ علي شرايع الاسلام إني وجدت في الانجيل نعتك وأنك تنزل أرض براثا بيت مريم و أرض عيسى عليهما السلام فقال أمير المؤمنين: قف ولا تخبرنا بشيء. ثم أتى موضعا فقال الكزوا هذا فلكزه برجله عليه السلام فانبجست عين خرارة، فقال: هذه عين مريم التي انبعت لها.

ثم قال: اكشفوا ههنا على سبعة عشر ذراعا. فكشف فاذا بصخرة بيضاء فقال عليه السلام: على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها وصلت ههنا. فنصب أمير المؤمنين عليه السلام الصخرة وصلى إليها وأقام هناك أربعة أيام يتم الصلاة، وجعل الحرام في خيمة من الموضع على دعوة، ثم قال: أرض براثا هذا بيت مريم عليها السلام هذا الموضع المقدس صلى فيها الأنبياء. قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما‌ السلام: ولقد وجدنا أنه صلى فيه إبراهيم قبل عيسى عليهما‌ السلام (6)

وفي رواية الحارث الاعور وعمرو بن حريث وأبو أيوب عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما رجع من وقعة الخوارج نزل يمنى السواد فقال له راهب: لا ينزل هاهنا إلا وصي نبى يقاتل في سبيل الله. فقال علي: فأنا سيد الاوصياء وصي سيد الأنبياء. قال: فاذاً أنت أصلع قريش وصي محمد، خذ علي الاسلام، إني وجدت في الانجيل نعتك وأنت تنزل مسجد براثا بيت مريم وأرض عيسى.

قال أمير المؤمنين: فاجلس يا حباب. قال: وهذه دلالة أخرى. ثم قال: فانزل يا حباب من هذه الصومعة وابن هذا الدير مسجدا. فبنى حباب الدير مسجدا ولحق أمير المؤمنين إلى الكوفة، فلم يزل بها مقيما حتى قتل أمير المؤمنين عليه السلام فعاد حباب إلى مسجده ببراثا. (7)

وفي رواية أن الراهب قال: قرأت أنه يصلي في هذا الموضع إيليا وصي البارقليطا محمد نبي الاميين الخاتم لمن سبقه من أنبياء الله ورسله، في كلام كثير فمن أدركه فليتبع النور الذي جاء به، ألا وإنه يغرس في آخر الايام بهذه البقعة شجرة لا يفسد ثمرتها. (8)

فيما يتعلق بالشجرة التي لا يفسد ثمرها، فإنه لا توجد شجرة نبات لا يفسد ثمرها، ومن الواضح ان المراد بها انها شجرة بشرية لأحد المؤمنين في آخر الزمان يكون متولياً للمسجد ويكون من الصالحين ويعقبه نسله في تولية المسجد وكلهم من الصالحين، ويبدو ان تلك الشجرة المباركة هي أحد أعمدة المسجد الشريف وقضيته السامية التي اوليت اهتماما منقطع النظير من الأنبياء والأوصياء والكتب السماوية!

وذكرت الروايات ان المسجد يخرب بعد ان كان معمورا، وعندئذ تحل بالناس داهية.

ففي رواية زاذان قال أمير المؤمنين عليه السلام للراهب: ومن أين شربك؟ قال: من دجلة قال: ولم لم تحفر عينا تشرب منها؟ قال: قد حفرتها فخرجت مالحة، قال: فاحتفر الان بئرا اخرى، فاحتفر فخرج ماؤها عذبا، فقال: يا حباب ليكن شربك من هاهنا، ولا يزال هذا المسجد معمورا، فاذا خربوه وقطعوا نخله حلت بهم أو قال بالناس داهية. (9)

كما وتحدثت الروايات أعلاه والروايات الآتي ذكرها عن مسجد براثا، وأكدت على أن المسجد هو المكان الذي وضعت فيه مريم جنينها القادس، وتحدثت عن حرب تحدث بين العراق وأيران، ثم مجيء جيش محتل وصفه الإمام عليه السلام بمواصفات تشابه مواصفات الجيوش الغربية المعاصرة (الجيش الأمريكي الذي احتل العراق عام ٢٠٠٣) بل أنه وضح أمراً مهماً وهو أن ذلك الجيش المحتل يفتح الله على أيديهم الدين، ويكونون سببا لأمرنا، ومن الملفت ان احدى الروايات التي ذكرت تلك الفتن التي يمر بها العراق أشارت الى (تفشي الوباء في العراق)

فقد ورد في الرواية : عن سدير الصيرفي قال : كنت عند أبي عبد الله (جعفر الصادق) عليه السلام وعنده جماعة من أهل الكوفة، فأقبل عليهم وقال لهم حجوا قبل أن لا تحجوا، قبل أن يمنع البر جانبه، حجوا قبل هدم مسجد بالعراق بين نخل وأنهار، حجوا قبل أن تقطع سدرة بالزوراء، على عروق النخلة التي اجتنت منها مريم عليها السلام رطبا جنيا فعند ذلك تمنعون الحج، وتنقص الثمار، وتجدب البلاد، وتبتلون بغلاء الأسعار، وجور السلطان، ويظهر فيكم الظلم والعدوان مع البلاء والوباء والجوع، وتظلكم الفتن من جميع الآفاق، فويل لكم يا أهل العراق إذا جاءتكم الرايات من خراسان، وويل لأهل الري من الترك، وويل لأهل العراق من أهل الري ، وويل لهم ثم ويل لهم من الثط. قال سدير: فقلت: يا مولاي من الثط؟ قال: قوم آذانهم كآذان الفار صغرا، لباسهم الحديد كلامهم ككلام الشياطين، صغار الحدق، مرد جرد استعيذوا بالله من شرهم أولئك يفتح الله على أيديهم الدين، ويكونون سببا لأمرنا. (10)

السِّدْرُة: شجرة النبق.

الثط : الكوسج أو القليل شعر اللحية والحاجبين.

رجل أَجْرَدُ: لا شعر على جسده.

المرد : جمع الأمرد ، الشابُّ الذي طَرَّ شارِبُهُ ولم تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ. أي ليس له شارب ولا لحية / الماردُ من الرجال: العاتي الشديد، وأَصله من مَرَدة الجن والشياطين / الخبيثُ المتمرّد الشِّرِّير الذي جاوز حدّ مثله.

كما تحدثت رواية أخرى عن نزول جيش السفياني مسجد براثا عند دخوله بغداد:

فقد ورد في رواية طويلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: .. ويبعث السفياني مئة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفاً حتى ينزلوا الكوفة ..) (11)

وقد أشار فضيلة الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور في تأويل هذه الرواية الى مسجد براثا بقوله: ويوجد بعض روايات تذكر أو تشير إلى أن مريم وعيسى عليهما السلام قد زارا العراق ونزلا القادسية، وبقيا مدة في مكان مسجد براثا قرب بغداد، والله العالم. (12)

تشير تلك الرواية الى الأهمية الاستراتيجية لمسجد براثا في التمهيد للظهور الشريف، حتى أن جيش السفياني حينما يدخل الى بغداد، يحتل منطقة الروحاء، وهي منطقة الحكم، والمسماة حالياً بالمنطقة الخضراء، والفاروق وهو مطار بغداد، وهما منطقتان إستراتيجيتان يقصدهما أي جيش محتل يرغب بالسيطرة على بغداد، أما أن تكون الفرقة العسكرية الثالثة من جيش السفياني تنزل في مسجد براثا! فلا يكون ذلك الا لكون المسجد يمثل مصدر قوة ومقاومة لجيش السفياني.

روايات في عجائب مسجد براثا:

ورد في رواية: (ألا وإنّه يغرس في آخر الأيّام بهذه البقعة شجرة لا تفسد ثمرتها)

وبالطبع فإنه لا توجد شجرة نبات في الأرض لا تفسد ثمرتها كما أشرنا آنفاً.

وروي أن الشمس ردت الى الإمام علي عليه السلام في موضع براثا:

فقد ورد في الرواية أنّ أمير المؤمنين لما وصل مكان مسجد براثا صاح فقال: يا بئر (بالعبراني) أقرب إليّ، فلمّا عبر إلى المسجد وكان فيه عوسج وشوك عظيم، فانتضى سيفه وكسح ذلك كلّه وقال: إنّ هاهنا قبر نبيّ من أنبياء الله، وأمر الشمس أن ارجعي، وكان معه ثلاثة عشر رجلا من أصحابه، فأقام القبلة بخطّ الاستواء وصلّى إليها. (13)

كما روي أن إبراهيم (عليه السلام) صلى في موضع براثا، واشترى أرض كربلاء وسماها كربلاء.

وأن مريم (عليها السلام) عاشت سنوات من تشريدها مع ابنها عيسى (عليه السلام) في العراق، ويفهم من روايات سيرتها (عليها السلام) أن اليهود والرومان ضايقوها فاضطرت الى الهجرة وبقيت مع ابنها في الشام ومصر والعراق نحو ثلاثين سنة، ثم أمر الله عيسى (عليه السلام) فرجع الى القدس ودعا الناس حتى حاولوا قتله فرفعه الله تعالى. (14)

وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن إلى جانبكم مقبرة يقال لها: براثا، يحشر منها عشرون ومائة ألف شهيد كشهداء بدر (15)

وأن مما تميز به مسجد براثا أن الإمام الحجة عج، بعث الى الشيخ المفيد رسالتين، ضمّنهما أخباراً وأسراراً مهمة عن أحداث الظهور الشريف، والغريب أن الإمام الحجة عج لم يراسل أي رجل من الشيعة سوى الشيخ المفيد، عندما كان في مسجد براثا!

ورد في الرسالة الأولى: ( .. ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مرّاق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار، ويتفق لمريدي الحج من الآفاق ما يأملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق، شأن يظهر على نظام واتساق، فليعمل كل امرؤ منكم بما يقربه من محبتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا) (16)

من الواضح ان الرسالة تتحدث عن حال العراق في آخر الزمان، وحكم نظام البعث فيه، والحصار الاقتصادي الذي يجري على اهل العراق، وزوال نظام البعث وطاغوتهم صدام، ثم يعقب الامام الحجة عج الى وسيلة انتقال الثلة الأولى من الاصحاب عن طريق الحج والذي سيتم تنسيقه بين الامام المهدي عج والجهات الحكومية في العراق والمسؤولة عن هيئة الحج، والتي ستكون تحت سلطة اليماني الموعود بعد طرد جيش السفياني.

قال الخطيب البغدادي: (كان في الموضع المعروف براثا مسجد يجتمع فيه قوم ممن ينتسب إلى التشيع ويقصدونه للصلاة والجلوس فيه، فرفع إلى المقتدر بالله إن الرافضة يجتمعون في ذلك المسجد لسب الصحابة والخروج عن الطاعة، فأمر بكبسه يوم الجمعة وقت الصَّلاة فكبس وأخذ من وجد فيه فعوقبوا وحبسوا حبساً طويلاً وهدم المسجد حتى سوّى بالأرض وعفى رسمه ووصل بالمقبرة التي تليه ومكث خراباً إلى سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة سنة 328 هـ (وهي آخر سنين الغيبة الصغرى) فأمر الأمير بجكم (الماكاني) بإعادة بنائه وتوسعته وإحكامه، فبني بالجص والآجر وسقف بالساج المنقوش ووسع فيه ببعض ما يليه مما ابتيع له من أملاك الناس، وكتب في صدره اسم الراضي بالله الخليفة العباسي وكان الناس يأتونه للصلاة فيه والتبرك به، ثم أمر المتقي بالله بأن ينصب منبراً فيه كان بمسجد المنصور معطلاً مخبوءاً في خزانة المسجد عليه اسم هارون الرشيد فنصب في قبلة المسجد… ولم يزل على هذا إلى أن خربت بغداد سنة 451 هـ إحدى وخمسين وأربعين. (17)

قال المحدث القمي: (إن لهذا المسجد كما يبدو من مجموع هذه الأحاديث فضائل عديدة تكفي إحداها لو حازها مسجد من المساجد أن تشد الرحال وتطوى المراحل ابتغاء رضوان الله بالصلاة والدعاء فيه، ثم ذكر اثنى عشر خصلة منها صلاة أمير المؤمنين (عليه السَّلام) وابنيه الحسن المجتبى وسيد الشهداء فيه)

ومن الأمور الطريفة التي حصلت في موضع مسجد براثا؛ ينسب الى براثا رجل يدعى أبو شعيب البراثي العابد كان أوّل من سكن براثا في كوخ يتعبّد فيه فمرّت بكوخه جارية من ابناء الكتاب الكبار وابناء الدّنيا كانت ربيت في القُصور، فنظرت الى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه فصارت كالاسير له، فجاءت الى أبي شعيب وقالت: أريد أن أكون لك خادمة، فقال لها: إن أردتِ ذلك فتعرّي من هيئتك وتجرّدي عمّا أنت فيه حتّى تصلحي لما أردتِ، فتجرّدت (السّعيدة) عن كلّ ما تملكه ولبست لبسة النّساك وحضرته فتزوّجها، فلمّا دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف كانت في مجلس أبي شعيب تقيه من النّدى، فقالت: ما أنا بمقيمة عندك حتّى تخرج الخصاف لانّي سمعتك تقول: انّ الارض تقول: يَا ابْنَ آدَمَ تَجْعَلُ بَيْنِى وَبَيْنَكَ حِجاباً وَاَنْتَ غَداً في بَطْني، فرماها أبو شعيب ومكثت عنده سنين يتعبّدان أحسن العبادة وتوفّيا على ذلك.

خاتمة:

———

إن إقتران اسم مسجد براثا بأحداث آخر الزمان وذكر السفياني، فيه إشارة بليغة على إرتباط المسجد بالتمهيد للامام الحجة عج، وذلك يعني أن ثمة تخطيط إلهي لإقامة ذلك المسجد، بدأ من صلاة النبي إبراهيم عليه السلام فيه والذي يعد أبو البشر ومنه تفرعت جميع الأديان الموجودة حالياً، وصلاة سبعين نبياً ووصياً فيه، ثم ذكر خبر المسجد في توراة موسى عليه السلام وفي انجيل عيسى عليه السلام، ثم اقبال السيدة مريم من فلسطين الى موضع المسجد لتضع وليدها المخلّص ولترسخ قدسية المكان، ومنه سميت المنطقة بالقادسة، أو القادسية، إشارة الى الوليد المقدس، كما سميت القدس الفلسطينية بهذا الإسم تشرفاً بمكوث النبي المؤيد بروح القدس فيها.

ثم بعد ذلك يستثمر النبي محمد صلى الله عليه وآله الفرصة ليتحدث عن المسجد، ويوكل أمر كشف مكانه وإنشائه وتبيان فضله الى الإمام علي عليه السلام، ومن بعده اهتمام الامام الصادق عليه السلام بالمسجد في نشره الروايات التي ذكرت المسجد، ومن ثم الامام الحجة عج وايلائه العناية بالمسجد ومراسلته للشيخ المفيد واخباره عن احداث تقع في آخر الزمان في العراق، ومن تلك الاحداث تسلط حزب البعث على العراق وحصول حصار اقتصادي على اهل العراق بسبب البعثيين المراق ومن ثم زوال طاغوتهم صدام فيكون بعد ذلك امر الحج في العراق متاحا حتى حيان ظهور الامام الحجة عج ونقل أنصاره من العراق الى الحجاز ليعلن ظهوره الشريف.

يبقى سر مسجد براثا المعظم كامنا حتى تتجلى الحقيقة المستترة خلف اهتمام الأنبياء والاوصياء صلوات الله عليهم بهذه البقعة المباركة، إذ أن اهتمام اؤلئكم بمسجد براثا لم يقل أثرا عن مساجد عظيمة كمسجد الكوفة الذي سيكون مقر حكم الامام عج ومصلاه كما ان مسجد السهلة سيكون منزل الامام عج ووزارة مالية دولة العدل الإلهي، بل زاد اهتمام النبي وعترته صلوات الله عليهم بمسجد براثا أكثر من غيره من مساجد العراق.

المصادر:

(1) جامع براثا .. ويكبيديا الموسوعة الحرة ..

(2) اللغة الكلدانية إجابات كوكل.

(3) الملاحم والفتن لابن طاووس باب 48 ص 260 حديث 379

(4) البحار:52/217 .

(5) أمالي الطوسي/ 199

(6) أمالى الطوسى ج ١ ص ٢٠٢ طبع النجف الاشرف.

(7) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص ١٠٠ طبع النجف الاشرف.

(8) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص ١٠٠ طبع النجف الاشرف.

(9) مناقب ابن شهر اشوب ج ٢ ص 101 طبعة النجف الاشرف.

(10) البحار/ مجالس المفيد

(11) البحار:53/ 82

(12) عصر الظهور/ الكوراني ص29

(13) مناقب ابن شهر آشوب، باب إخباره (عليه السلام) بالغيب 2: 265.

(14) عصر الظهور للكوراني

(15) كامل الزيارات546

(16) الاحتجاج: ج2 ص 318 ـ 325

(17) تاريخ بغداد 1/109

فكرتان اثنتان على ”مسجد براثا في احاديث الظهور الشريف

أضف تعليق